المصدر: نداء الوطن
السبت 30 أيار 2026 07:19:46
في الجنوب، تتخطّى إسرائيل كل الحدود "الصفراء" و"الحمراء"، وتضيّق الخناق على "حزب الله" مع تهاوي خطوطه الدفاعية تباعًا على ضفّتي نهر الليطاني، فيما يتحمّل الجنوبيون وحدهم كلفة هذا الانكشاف تهجيرًا ودمارًا. أمّا في واشنطن، فدارت "حرب" دبلوماسية بزيّ عسكري بين بيروت وتل أبيب داخل مقرّ البنتاغون، في محاولة لنقل الصراع من الجبهة إلى الطاولة. وإذا كان المشهد الميداني أكثر وضوحًا واشتعالًا، فإن عجلة التفاوض تبدو بطيئة إلى حدّ ما، كونها محكومة بجملة تعقيدات داخلية تتصل بفصل "حزب الله" قراره عن الدولة اللبنانية، ووضعه في سلّة "الجمهورية الإسلامية"، وأخرى خارجية مرتبطة بمآلات "الماراثون" الأميركي الإيراني.
وعلى خط المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، أشار مصدر سياسي مواكب لاجتماعات البنتاغون العسكرية لـ "نداء الوطن" إلى أن "جدول أعمال الوفد العسكري اللبناني ارتكز على نقطتين، هما: وقف نهائي لإطلاق النار، والانسحاب إلى خلف الحدود الدولية، مع انفتاح على نقاش التفاصيل من ضمن هذين الثابتين". وأضاف المصدر أن "الوفد العسكري الإسرائيلي أصرّ على نقطتين أيضًا، هما: تفكيك سلاح حزب الله بالكامل ومنع تسليحه مجددًا، وإنشاء غرفة تنسيق مشتركة إسرائيلية لبنانية". وأوضح أن "هناك إصرارًا أميركيًا على خروج الاجتماعات العسكرية بنتائج إيجابية، وأن نجاح المحادثات العسكرية سينعكس على المحادثات السياسية يومي 2 و3 حزيران المقبل، وهو ما جرى التأكيد عليه خلال الاتصال الهاتفي بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو".
قلق من اجتياح غير معلن
في هذا السياق، لفت مصدر رسمي إلى أنّ عون قدّم، خلال الاتصال، شرحًا مفصّلا لتطورات العملية العسكرية الإسرائيلية في الجنوب واتساع نطاقها، وما تخلّفه من تدمير وتهجير، مشددًا على أن نجاح أي مسار تفاوضي يبقى صعبًا في ظل غياب وقف واضح لإطلاق النار. وبحسب المعطيات، أبلغ روبيو عون أنه سيبحث هذه النقاط وينقلها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت تنظر الدولة اللبنانية بقلق متزايد إلى العملية الإسرائيلية التي تقترب، في نظرها، من اجتياح غير معلن، بما يرفع منسوب المخاوف ويزيد شروط التفاوض تعقيدًا أمام لبنان.
روبيو يحمّل "الحزب" المسؤولية
توازيًا، نقل المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت بيانًا أفاد فيه بأن روبيو أشاد بـ "شجاعة الرئيس عون ورؤيته" في المضي بخيار المفاوضات المباشرة، رغم ما وصفه بمحاولات "حزب الله" عرقلتها "على حساب الشعب اللبناني". وحمّل روبيو "حزب الله" المسؤولية الكاملة عن القتال الدائر، مشددًا على ضرورة أن يوقف "فورًا هجماته واستفزازاته" بما يتيح خفض التصعيد، ومجددًا دعم الولايات المتحدة الكامل لحكومة لبنان في "اغتنام فرصة تاريخية لتحقيق السلام وإعادة الإعمار وبناء مستقبل أفضل للشعب اللبناني".
واللافت في البيان الأميركي أنه لم يأتِ على ذكر وقف إطلاق النار، بل اكتفى بالحديث عن "خفض التصعيد"، ما يوحي بأن واشنطن لا تزال تمنح إسرائيل هامشًا لمواصلة عملياتها في جنوب لبنان.
ويتعزّز هذا الانطباع مع ما تسرّب من معطيات عن مذكرة التفاهم مع إيران، إذ لا يبدو أن أي وقف محتمل لإطلاق النار سيقيّد تل أبيب بالكامل في الساحة اللبنانية. فقد ذكرت مصادر البيت الأبيض، بشأن البنود الرئيسية، أنه في حال تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، فسيشمل لبنان، لكن إسرائيل ستحتفظ بحق الرد على التهديدات الفورية من "حزب الله".
الملفات الخلافية إلى 2 حزيران
أمّا في قصر بعبدا، فتابع رئيس الجمهورية مجريات الاجتماعات في واشنطن بحضور السفير السابق سيمون كرم، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، وعدد من الضباط. ولفتت المصادر إلى أن الجلسة الأولى اتخذت طابعًا تعارفيًا بحضور السفيرة ندى حمادة معوض، فيما خلت الجلسة الثانية من أجواء تفاؤلية. ففي مقابل تشديد الوفد اللبناني على أولوية تثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار، ركّز الوفد العسكري الإسرائيلي على سلاح "الحزب"، عارضًا صورًا ومستندات وإثباتات حول خروقات "حزب الله" واستمرار أعمال التسلّح في جنوب لبنان. ولم توحِ هذه الأجواء بإمكان تحقيق اختراق سريع، في ظل رفض إسرائيلي واضح ومطلق لوقف إطلاق النار في هذه المرحلة.
وبذلك، تُرحَّل معظم الملفات الخلافية إلى جلسة 2 حزيران، حيث يُفترض أن يتضح ما إذا كانت المحادثات ستفتح بابًا فعليًا أمام تهدئة جدية، أم ستبقى محكومة بإيقاع الميدان وشروطه المتشددة.
تنياهو وزمير: لا وقف للعمليات
وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، على وقع مطلب لبناني بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو، خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية، إنّ "القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضدّ "حزب الله" في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت"، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي "يعمل من دون توقف على مختلف الجبهات".
وأضاف أن القوات الإسرائيلية "عبرت نهر الليطاني وتجاوزته"، مشيرًا إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ "حزب الله"، في إطار ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.
بدوره، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييمًا للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في "هار دوف" (مزارع شبعا) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالًا وغربًا في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، بحسب ما قال الجيش الإسرائيلي في بيان.
وقال زمير: "هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضدّ "حزب الله"، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصنًا لـ "الحزب"، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة". وتابع: "الخط الأصفر لا يقيّدنا. في كل مكان نرصد فيه تهديدًا، وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور".
وفي الشق الميداني، يسود تخوّف لدى الدولة اللبنانية من اتساع العملية العسكرية الإسرائيلية، في ظل سيطرة الجيش الإسرائيلي على أجزاء واسعة من الجنوب والبقاع الغربي، واقترابه من مدينة النبطية. وتداولت معطيات عن توغّل آليات وجرافات عسكرية إسرائيلية باتجاه جنوب شرق بلدة دبين، ووصول القوات الإسرائيلية إلى قلعة الشقيف، بعدما رُصدت آليات إسرائيلية على الطريق المؤدي إلى القلعة، وتحديدًا عند نقطة مطعم القلعة، وسط معلومات تشير إلى أن التقدّم الإسرائيلي جاء من جهة بلدة أرنون.
وتكتسب قلعة الشقيف أهمية استراتيجية، إذ تكشف مساحات واسعة من الجنوب باتجاه مرجعيون والخيام، وسهل الجرمق وجبل الريحان، فضلا عن كفرتبنيت وإقليم التفاح والنبطية، كما تشرف على مساحات واسعة من مجرى نهر الليطاني.
وفي ظلّ هذا الضغط الميداني، أفادت معلومات أمنية بأن عناصر من "حزب الله" يفرّون من الميدان ويرتدون لباسًا مدنيًا للابتعاد عن مناطق المواجهة.