مفوض حقوق الإنسان فولكر تورك: انتهاكات للقانون الدولي في جنوب لبنان

في المرّة الأخيرة التي زار فيها المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك لبنان قبل عام ونصف، كانت البلاد تحاول الخروج من أزمات عميقة، كان آخرها حرب "حزب الله" – إسرائيل، إضافة إلى الانسداد السياسي بعد فراغ طال لأكثر من سنتين وتداعيات جائحة كورونا وانفجار المرفأ. وبعد عام ونصف، تبدو المشهدية مشابهة مع اندلاع جولة قتال جديدة في الجنوب واستمرار الأزمات.

فقد اختتم تورك زيارة جديدة إلى لبنان، كشف خلالها عن مسار تحقيقات تجريه الأمم المتحدة في الجنوب لمعاينة الجرائم التي وقعت وطبيعتها، ووضع خطوطاً عريضة لخارطة طريق تبدّل مسارات لبنان الحالية. في هذا السياق، يقول تورك إن "احترام القانون الدولي الإنساني، وانسحاب القوات العسكرية، وتمكين الدولة اللبنانية الكامل لترسيخ وجودها، أمورٌ ضرورية" مع التركيز على خفض التصعيد.


جرائم ضد القانون الإنساني
وفي حديث خاص لـ"النهار"، يشدّد تورك على وجوب تحقيق العدالة والمساءلة، وتطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية (وهو مبدأ قانوني يسمح للدول أو يطلب منها أن تتخذ إجراءات جنائية معينة بحق متهمين أو مشتبه بهم) في ما يتعلق بارتكاب جرائم دولية، بظل تأكيده وجود انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

ولا بد من الإشارة إلى أن بعثة تقييم تابعة للمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان تُعنى بدراسة العديد من الحوادث تتواجد في لبنان، وتفحص الوضع وتتحقق من المعلومات من ثلاثة مصادر مستقلة، ويأمل تورك أن تتمكن من توثيق ما حدث، بما في ذلك من منظور القانون الدولي، مؤكداً أن البعثة تنظر في انتهاكات كل الأطراف.

ماذا يحتاج الجنوب؟
عودة الجنوب إلى الحياة التي سبقت تاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر شبه مستحيل. فالحرب الأخيرة قضت على البنى التحتية والمساكن وحتى التخطيط المدني، وبات الجنوب أرضاً مدمرة لا حياة فيها. يشدّد تورك في هذا السياق على ضرورة احترام وقف إطلاق النار احترامًا كاملًا، ووقف عمليات الهدم، إضافة إلى توفير فرص لعودة الناس، وتوثيق الانتهاكات التي ارتكبت وإيجاد السبل والوسائل لتحقيق العدالة.

ويتحدث عن واقع النزوح، ولا يغفل أن الآلاف من الجنوبيين غير قادرين على العودة إلى بلداتهم، إما لأنها لا زالت تحت السيطرة الإسرائيلية، أو لأن المنازل دمّرت. وفي هذا الإطار، يؤكد تورك أهمية عودة الناس إلى أرضهم، وبرأيه، فإن عودتهم "بأمان وكرامة وبشكل طوعي أمر بالغ الأهمية"، ولكن لتحقيق ذلك، يجب أن تتوافر ظروف سلام.

واقع حقوق الإنسان في لبنان
وبعيداً عن واقع الجنوب المأسوي، فإن تورك يرصد بارقة أمل مع تولي رئيس الجمهورية ومعه الحكومة زمام إصلاح شامل، لا سيما من منظور حقوق الإنسان، ويثني على إلغاء عقوبة الإعدام، وإقرار قضايا مرتبطة بذوي الإعاقة، والشروع بالإصلاح القضائي وقانون الإعلام. ويأمل "استمرار جهود الإصلاح هذه بشكل كامل رغم التحديات".

سوريا وتحقيق العدالة 
ملف حقوق الإنسان في سوريا كان ولا يزال في صدارة المتابعات في الشرق الأوسط. الأحداث التي حصلت في الساحل السوري والسويداء تسرق الاهتمام إثر الانتهاكات التي حصلت من قبل جميع الأطراف وليس طرفاً واحداً.  يشدّد تورك على أهمية إجراء السلطات السورية تحقيقًا مستقلًا، ويشير إلى عمله مع اللجنة الوطنية المختصة بالتحقيق في هذه الجرائم في سوريا.

لكن تورك يثني على خطوات اتخذتها دمشق في سبيل تحقيق العدالة، ويذكّر بإقرار قانون العدالة الانتقالية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية، لأنه عندما زات سوريا العام الماضي، كان أكثر ما سمعه من الشعب السوري هو العدالة الانتقالية والمساءلة، ومعرفة مصير المختفين قسراً، وفق ما يسرد لـ"النهار". وبتقديره، من المهم جداً أن تولي الحكومة السورية اهتماماً كافياً لهذا الأمر، والسلطات السورية متلزمة بذلك.