المصدر: Kataeb.org
الكاتب: جيمي فرنسيس
الجمعة 16 كانون الثاني 2026 07:09:13
لم يكن إلغاء قناة شمس بث المقابلة مع الرئيس الشرع حدثاً إعلامياً تقنياً، بل محطة سياسية كاشفة، لأن المقابلة نفسها – بما قيل فيها – تجاوزت الإطار الإعلامي، وضربت في صميم واحدة من أكثر السرديات استخدامًا في الصراع السوري ألا وهي مسألة الكرد ودور قسد، فالمأزق الحقيقي لم يكن في الأسئلة، بل في الأجوبة، وفي ما فضحته من تناقضات، لا سيما لدى من بنوا خطابهم على خلطٍ متعمّد بين المكوّن الكردي وتنظيم قسد.
منذ اللحظة الأولى، وضع الرئيس الشرع المسألة الكردية في سياقها الطبيعي، بعيداً عن الابتزاز السياسي فتحدث عن المكوّن الكردي بوصفه جزءًا من النسيج السوري، مندمجًا تاريخيًا في الدولة والمجتمع، لا كجسم طارئ ولا كحالة معزولة وذكّر بحقائق بديهية لكنها مغيّبة عمداً، فذكر بأن هناك أحياء كردية في قلب دمشق وطلاب أكراد في الجامعات السورية، وشخصيات من المكوّن الكردي داخل الحكومة، يتولّى بعضهم حقائب وزارية، هذا الخطاب وحده كان كافيًا لإسقاط رواية “الإقصاء الممنهج” التي تُستخدم ذريعة لتبرير حمل السلاح والمشاريع الانفصالية.
الأهم أن الرئيس الشرع لم يكتفِ بالوصف، بل قدّم عرضاً سياسياً واضحاً حول "حماية المكوّن الكردي"، فبرأيه، يكون عبر استثمار الفرصة التاريخية الراهنة، وذكر بأنها المرة الأولى التي يُعرض على الكرد أن يكونوا جزءاً كاملاً من الدولة السورية، في كل مفاصلها، لا على هامشها ولم يتحدث بلغة خوف أو وصاية، بل بلغة شراكة، حتى أنه عبّر صراحة عن إعجابه بشجاعة الكرد، وتمنّيه أن يكونوا جزءاً من الجيش السوري، وشركاء فيه، أي من صلب المؤسسة السيادية، لا خارجها.
في هذا السياق، جاء حديثه عن لقائه مع مظلوم عبدي كاشفًا أكثر عن اللقاء، الذي حصل بعد نحو شهر ونصف من وصوله إلى دمشق الذي لم يكن لقاء مجاملة، بل مواجهة سياسية مباشرة والرسالة التي نقلها الشرع لعبدي كانت واضحة "إذا كان القتال فعلاً من أجل حقوق المكوّن الكردي، فلا حاجة لإهدار نقطة دم واحدة". بهذا المعنى، وضع الشرع قسد أمام اختبار أخلاقي وسياسي، وفصل مرة أخرى بين الحقوق المشروعة وبين خيار العسكرة.
أما في ما يتعلّق بحقوق الكرد، فقد قطع الطريق على أي تأويل أو مساومة وأكد أن حقوق المجتمع الكردي غير قابلة للمقايضة، وتشمل المواطنة الكاملة، والمشاركة في البرلمان، وتولّي المناصب السيادية، وأن هذه الحقوق ستكون مصونة في الدستور. هنا تحديداً، انهارت الحجة الأساسية لقسد، لأن الحقوق التي تزعم الدفاع عنها قُدّمت سياسياً من دون شروط، بينما استمر السلاح بلا مبرّر.
وعندما انتقل الحديث إلى اتفاق العاشر من آذار، اتخذ الخطاب طابعاً أكثر حسماً لإظهار الحقائق على حالها. فالشرع اعتبر التزام قسد بهذا الاتفاق حلاً ليس لمناطقها فقط، بل لكل سوريا، لأن الاتفاق ينص صراحة على الاعتراف بحقوق المكوّن الكردي ضمن الدولة ومن داخل التركيبة الموحدة. غير أن المشكلة، كما أوضح، ليست في النص، بل في التنفيذ، فقسد، وبحسب قوله، لم تقم بأي خطوة عملية ولم تنسحب من حي الشيخ مقصود كما نص الاتفاق، ولم تمنع تحوّل مناطقها إلى ملاذات آمنة لفلول النظام السابق كما اتفق، بل على العكس، جرى تحويل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية إلى ثكنات عسكرية، ومنع الأهالي من الخروج، ما جعل الشرارة العسكرية تنطلق من وجود القوى المسلحة داخل هذه الأحياء.
بهذه السردية، نقل الشرع المسؤولية من الدولة إلى قسد، مؤكداً أن “الكرة اليوم في ملعبهم”، وأن تنفيذ اتفاق آذار كفيل بإنهاء التوتر، حسب المصلحة الكردية - الوطنية الجامعة، كما شدّد على حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها "أن قسد لا تمثّل كل الكرد، وكثير من أبناء هذا المكوّن كانوا جزءاً من الثورة السورية، لا من المشاريع المنفصلة عنها".
وفي مقارنة لافتة، حذّر الشرع من القياس على ممارسات النظام السابق، الذي كان ظالماً على مدى ستة عقود بحق جميع المكوّنات السورية، بمن فيهم الكرد. هذه المقارنة لم تكن تبريراً، بل محاولة لقطع الطريق على خطاب التخويف، والتأكيد أن المرحلة الحالية مختلفة في المقاربة والضمانات.
من هنا، يتضح أن الهدف غير المعلن من المقابلة لم يكن الحوار بقدر ما كان اختبار ردود الفعل، وربما تعميق الشرخ. فقد تذرعت الوسيلة الإعلامية ان اللقاء لن ينتج عنه تهدئة، بينما في الواقع ما سمعناه من كلام الشرع يؤكد ان التخوف لم يكن على التهدئة بل على فضح مشروع قسد امام الكرد نفسهم إلا أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً، فبدل إحراج الرئيس الشرع، ثبّت خطابه، وبدل تعزيز موقع قسد، عرّى ادعاءها، وكشف استخدامها للكرد كغطاء سياسي، والأخطر أن المقابلة انتهت عملياً إلى تحميل قسد مسؤولية أي فوضى قد تلحق بالكرد، بعدما قُدّمت لهم مقاربة دولة واضحة، وضمانات دستورية، وشراكة كاملة، وقوبلت بالمماطلة والسلاح.
في لحظة إقليمية تتّجه بوضوح نحو الحفاظ على سوريا الواحدة، ووسط دعم واضح للنظام القائم، لم تعد هذه الحقائق قابلة للإخفاء. ما جرى لم يكن أزمة إعلامية، بل فضيحة سياسية مكتملة، سقطت فيها الأقنعة، وبات السؤال موجّهاً إلى قسد لا إلى غيرها: لمن تعمل، وباسم من تقاتل، ولماذا ترفض حلًا يضمن الحقوق من دون دم؟