المصدر: Kataeb.org
الكاتب: غرازييلا كرم
الأربعاء 22 تموز 2026 15:30:32
عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من البيت الأبيض، عقب لقائه الرئيس اللبناني جوزاف عون، أن الولايات المتحدة تتجه إلى استئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى بيروت للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة عقود، لم يكن الإعلان مجرد قرار يتعلق بالطيران المدني، بل أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا الأمنية والسياسية تعقيداً في تاريخ العلاقات اللبنانية الأمريكية.
فالرحلات المباشرة لم تتوقف بسبب اعتبارات تشغيلية أو تجارية، وإنما في ظل مرحلة شهدت تصاعداً غير مسبوق في أعمال العنف واستهداف المصالح الأمريكية، وبلغت ذروتها في صيف عام 1985 باختطاف طائرة الخطوط الجوية العالمية (TWA) الرحلة رقم 847، في حادثة شكّلت نقطة تحول في نظرة الولايات المتحدة إلى أمن الطيران في لبنان، ورسخت في الذاكرة الأمريكية صورة مطار بيروت بوصفه مسرحاً لواحدة من أخطر أزمات الرهائن في القرن العشرين.
وفيما يفتح إعلان ترامب الباب أمام عودة هذه الرحلات، تعود هذه القضية إلى الواجهة لفهم الحدث الذي غيّر مسار الطيران المدني بين البلدين، وما جرى خلال سبعة عشر يوماً من الرعب، امتزجت فيها عمليات الخطف بالإرهاب والمفاوضات والصفقات الدبلوماسية.
قصة اختطاف الرحلة TWA 847 وكواليس الصفقة المنسية
في الرابع عشر من يونيو (حزيران) عام 1985، شهد العالم واحدة من أعقد وأخطر عمليات القرصنة الجوية في التاريخ الحديث. اختطاف طائرة الخطوط الجوية العالمية (TWA) الرحلة رقم 847، تحول على مدار 17 يوماً مرعباً إلى ساحة تصادم دولي بين عواصم كبرى وتنظيمات ناشئة، ليرسم ملامح حقبة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط.
الاختراق والتنفيذ الميداني
بدأت الأزمة بعد دقائق معدودة من إقلاع الطائرة من مطار أثينا متجهة إلى روما. نجح عنصران ينتميان إلى "حزب الله اللبناني" (الذي كان يعمل آنذاك تحت مسمى حركي هو "الجهاد الإسلامي") في تهريب قنابل يدوية ومسدس عبر أمن المطار، بحسب وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي. هذان العنصران هما محمد علي حمادي وحسن عز الدين.
بسرعة وحسم، سيطر الخاطفان على الطائرة وأجبرا قائدها تحت تهديد السلاح على تحويل مسارها إلى مطار بيروت الذي كان يرزح تحت وطأة الحرب الأهلية. وبحسب التحقيقات والشهادات الحية للرهائن التي نشرتها صحيفة The New York Times لاحقاً، تميزت العملية منذ ساعاتها الأولى بعنف مفرط؛ حيث تولى حمادي وعز الدين ضرب وتعذيب الرهائن، وعزل المسافرين الذين يحملون أسماءً يهودية أو جنسيات أمريكية.
بلغت الذروة الدموية للأزمة عندما قام الخاطفان بإطلاق النار على غواص البحرية الأمريكية البالغ من العمر 23 عاماً "روبرت ستيثيم" (Robert Stethem) بعد تعذيبه الشديد لرفضه إدانة بلاده، وإلقاء جثته بدم بارد على مدرج مطار بيروت أمام كاميرات وسائل الإعلام العالمية. ووفقاً لـ متحف العلوم البحرية الأمريكي (Naval Undersea Museum)، منحت وزارة الدفاع الأمريكية عائلة ستيثيم وزملاءه لاحقاً أوسمة "أسرى الحرب" (POW) تقديراً لصمودهم تحت التعذيب.
العقل المدبر والدعم اللوجستي
لم تكن العملية وليدة الصدفة، بل أديرت خلف الستار بعناية فائقة من قِبل عماد مغنية، الذي شغل منصب القائد العسكري والأمني الأبرز لحزب الله. وتشير وثائق أمنية ودراسات متخصصة إلى أن مغنية أشرف على توفير الدعم اللوجستي، وأرسل مجموعات مسلحة إضافية لتأمين الطائرة فور هبوطها في بيروت، وقاد كواليس المفاوضات وصياغة البيانات السياسية للمجموعة.
في المقابل، فشل المتهم الرابع علي عطوة في صعود الطائرة من مطار أثينا مع زملائه بسبب عدم وجود مقاعد كافية، فاعتقلته السلطات اليونانية فوراً في المطار، ليتحول بدوره إلى ورقة ضغط لوجستية لاحقاً.
كواليس المفاوضات والصفقة السياسية
تأرجحت الطائرة طوال 17 يوماً بين مطاري بيروت والجزائر. وكانت المطالب المعلنة للخاطفين واضحة: إطلاق سراح مئات الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية، وعلى رأسها معتقل عتليت.
تشير وثائق معهد الجمعية الدبلوماسية الأمريكية (ADST) إلى أن واشنطن اختارت إدارة الأزمة دبلوماسياً مع الأطراف الإقليمية بدلاً من الحل العسكري. وبحسب مستندات مكتبة الرئيس رونالد ريغان، لعبت دمشق في عهد الرئيس حافظ الأسد الدور المحوري بعد تفويض أمريكي، حيث جُمع الرهائن الـ 39 الباقون من الضاحية الجنوبية لبيروت ونُقلوا براً برعاية سورية إلى دمشق، ومنها أُطلق سراحهم في 30 يونيو (حزيران) 1985.
وعلى جبهة أخرى، أجبر الخاطفون الحكومة اليونانية على إطلاق سراح علي عطوة ونقله إلى الجزائر، مقابل الإفراج عن رهائن يونانيين كانوا على متن الطائرة، وكان من بينهم المغني العالمي الشهير ديميس روسوس. ورغم نفي واشنطن وتل أبيب الرسمي وجود مقايضة مباشرة، فإن وثائق ADST وتقارير صحفية أمريكية تشير إلى أن إسرائيل أطلقت خلال الأسابيع التالية سراح أكثر من 700 أسير لبناني، ما عزز الاعتقاد بوجود تفاهمات غير معلنة رعتها الأطراف الدولية.
محاكمة حمادي: الأزمة الدبلوماسية
يُعتبر محمد علي حمادي الخاطف الوحيد الذي مثل أمام القضاء. ففي عام 1987، أوقف أمن مطار فرانكفورت حمادي أثناء محاولته دخول ألمانيا الغربية وبحوزته متفجرات سائلة. طالبت الولايات المتحدة فوراً بتسليمه، إلا أن ألمانيا رفضت التسليم خوفاً من انتقام حزب الله، الذي اختطف مواطنين ألمان في بيروت للضغط على بون.
ووفقاً للأرشيف الإعلامي لمجلة Der Spiegel الألمانية، خضع حمادي لمحاكمة تاريخية في فرانكفورت خلف زجاج مضاد للرصاص، وصدر بحقه عام 1989 حكم بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بالقتل العمد والقرصنة الجوية.
لكن المفاجأة حدثت في ديسمبر (كانون الأول) 2005؛ فبعد قضائه 18 عاماً في السجن، منحت محكمة ألمانية حمادي إفراجاً مشروطاً بموجب القانون المحلي بعد انقضاء الحد الأدنى للعقوبة، وتم ترحيله فوراً إلى لبنان، وهو ما أكدته وزارة العدل الألمانية لشبكة CNN.
وأحدث هذا الإفراج أزمة علنية وثقتها محاضر الكونغرس الأمريكي (GovInfo)، التي سجلت احتجاجاً واسعاً من المشرعين الأمريكيين على ترحيله دون إخطار عائلة الضحية مسبقاً. كما رصدت صحيفة Los Angeles Times الموقف الرسمي الغاضب للخارجية الأمريكية، مؤكدة أن المدعي العام الأمريكي ألبرتو غونزاليس تواصل شخصياً مع السلطات الألمانية لمنع الإفراج عن حمادي، إلا أن طلب واشنطن رُفض التزاماً بالسيادة القانونية الألمانية.
أين هم الآن؟ مصير الجناة
حتى اليوم، لا تزال القضية حية ومفتوحة قانونياً، ويمكن مراجعة ملفاتها الرسمية عبر قائمة FBI لأبرز الإرهابيين المطلوبين، وضمن برنامج Rewards for Justice التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الذي يعرض مكافأة تصل إلى خمسة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض على المتهمين الفارين.
عماد مغنية (العقل المدبر): انتهت رحلته الطويلة في الاختفاء باغتياله في تفجير سيارة مفخخة في العاصمة السورية دمشق عام 2008.
علي عطوة (المساعد اللوجستي): توفي بمرض السرطان في لبنان عام 2021، ونعاه حزب الله رسمياً بصفته أحد كوادره التاريخية.
محمد علي حمادي: لا يزال مكان وجوده غير معلن رسمياً منذ ترحيله إلى لبنان عام 2005، ورغم تداول أنباء غير مؤكدة عن مقتله في باكستان عام 2010، فإنه ما زال مدرجاً على قوائم المطلوبين الأمريكية لعدم ثبوت وفاته قانونياً.
حسن عز الدين: لا يزال متوارياً عن الأنظار ومدرجاً بين أبرز المطلوبين للعدالة الأمريكية.
ستظل قصة الرحلة TWA 847 شاهداً تاريخياً موثقاً في أرشيفات القضاء والسياسة الدولية على حقبة امتزج فيها الإرهاب الميداني بالصفقات الدبلوماسية، فيما يأتي إعلان الرئيس ترامب باستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى بيروت ليطوي، للمرة الأولى منذ أكثر من أربعين عاماً، صفحة بدأت بواحدة من أكثر عمليات اختطاف الطائرات دموية في التاريخ الحديث، من دون أن يمحو آثارها من الذاكرة الأمريكية أو من سجل العلاقات بين واشنطن وبيروت.