من التمدد إلى التآكل.. هل يتحوّل لبنان من معقل نفوذ إلى ساحة استنزاف لإيران؟

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس اللبناني جوزيف عون اهتماماً إقليمياً واسعاً، بعد تأكيده أن إيران "تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع الولايات المتحدة"، في موقف يُعد من أكثر المواقف الرسمية اللبنانية صراحة تجاه الدور الإيراني في البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة حراكاً دبلوماسياً وأمنياً متشابكاً، يتداخل فيه مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية مع التطورات الجارية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وسط محاولات لبنانية متزايدة لفصل القرار الوطني عن التجاذبات الإقليمية.

وقال الرئيس اللبناني: "لا سبيل إلا التفاوض، وعلى حزب الله أن يفهم ذلك"، مؤكداً أن الأمين العام للحزب نعيم قاسم "لا يمثل الشعب اللبناني"، كما وجه رسائل مباشرة إلى طهران قائلاً إن مصالح لبنان لا تتطابق مع مصالحها، وإن اللبنانيين يدفعون ثمن حسابات إقليمية لا تخدم استقرار بلدهم.

وترافقت هذه التصريحات مع حديث الرئيس اللبناني عن "اختراق كبير" تحقق في المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، معتبراً أن الاتفاقات المطروحة يمكن أن تشكل مدخلاً نحو سلام عادل ودائم، فيما شدد على أن "لبنان بلد اللبنانيين وليس ساحة لأي قوة خارجية".

في الأثناء، شن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام هجوما على حزب الله قائلا إن الجنوب وأهله يدفعون ثمن قرار لم يتخذوه وحرب ليست حربهم، ووجه نقداً للحرس الثوري الإيراني قائلا: "على إيران أن ترحم جنوبنا وأن تتوقف عن التعامل معه ومع أهله كورقة لتحسين شروط مفاوضاتها".

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل تصاعد النقاش حول ما إذا كانت طهران لا تزال قادرة على استخدام الساحة اللبنانية كورقة تفاوض فعالة في مواجهة واشنطن، أم أن التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة بدأت تقلص من قيمة هذه الورقة وتأثيرها.

في المقابل، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن لبنان ليس ورقة مساومة في يد طهران، وإن العلاقات بين البلدين تقوم على التعاون والدعم المتبادل، وإن بلاده لو كانت تعتبر لبنان مجرد أداة تفاوض لكانت قد استخدمت هذه الورقة منذ سنوات لإنجاز تفاهمات مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما لم يحدث بحسب تعبيره.

غير أن العديد من المراقبين يرون أن تزامن التصعيد العسكري في جنوب لبنان مع جولات التفاوض الأمريكية الإيرانية يعكس وجود ارتباط واضح بين المسارين، ويعتقدون أن الضغوط الميدانية التي مارسها حزب الله خلال مراحل مختلفة هدفت إلى توفير أوراق قوة إضافية للمفاوض الإيراني عبر إبقاء جبهة لبنان حاضرة ضمن الحسابات الإقليمية والدولية.

ويرى خبراء أن هذا النمط من "التفاوض عبر الساحات" اعتمدته إيران لسنوات طويلة من خلال شبكة حلفائها ونفوذها في عدد من الدول العربية، بحيث تتحول الملفات الأمنية والعسكرية في لبنان والعراق واليمن إلى عناصر ضغط غير مباشرة خلال التفاوض مع القوى الدولية.

المحلل السياسي رعد هاشم يرى أن التطورات الأخيرة تشير إلى تراجع واضح في فعالية الورقة اللبنانية بالنسبة لطهران، ويقول إن إيران بدأت تدرك أن هذه الورقة التي كانت تمثل إحدى أهم أدواتها التفاوضية فقدت جانباً كبيراً من تأثيرها نتيجة المتغيرات التي أعقبت الحروب والتصعيدات الأخيرة.

تراجع قدرات حزب الله 
ويضيف هاشم في حديثه لـ"إرم نيوز" أن المشهد اللبناني بعد الحربين الأخيرتين يختلف جذرياً عما كان عليه سابقاً، موضحاً أن الضربات التي تعرض لها حزب الله أسهمت في تقليص قدرته على فرض المعادلات السابقة، الأمر الذي انعكس مباشرة على حجم النفوذ الإيراني داخل لبنان.

وبحسب هاشم، فإن التقدم المسجل في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية، إلى جانب اتساع هامش التعبير السياسي لدى المسؤولين اللبنانيين، يعكس تحولات مهمة تصب في مصلحة تعزيز سيادة الدولة اللبنانية.

 ويرى أن الجرأة التي ظهرت في تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وحتى في بعض المواقف الصادرة عن رئيس مجلس النواب، لم تكن مطروحة بهذا الوضوح خلال السنوات الماضية.

ويعتبر أن هذه المؤشرات تدل على تراجع قدرة طهران على استخدام لبنان كورقة نفوذ أو مساومة، مرجحاً أن تمتد هذه التحولات تدريجياً إلى ساحات أخرى مثل العراق، حيث قد تبدأ شبكات النفوذ المرتبطة بإيران بالتراجع تدريجياً مع تغير موازين القوى الإقليمية.

ويخلص المحلل السياسي إلى أن إيران قد تجد نفسها مضطرة خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز بصورة أكبر على الداخل الإيراني، مع تراجع تدريجي في قدرتها على إدارة نفوذها التقليدي في عدد من الساحات العربية، معتبراً أن نتائج الحربين الأخيرتين شكلت نقطة تحول مهمة أثرت على صورة القوة الإيرانية ونفوذها الإقليمي.

توظيف الساحات 
من جانبه، قال المحلل السياسي رياض منصور إن سياسة توظيف الساحات العربية في الصراعات الإقليمية ألحقت أضراراً كبيرة باستقرار عدد من الدول.

وأضاف منصور لـ إرم نيوز أن التجربة اللبنانية ليست استثناءً في التدخل الإيراني، بل تأتي ضمن سياق أوسع شمل في مراحل مختلفة سوريا والعراق واليمن، حيث جرى ربط قضايا داخلية معقدة بأجندات إقليمية ودولية تتجاوز مصالح الشعوب المحلية، وتدخل إيران في هذه الدول أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعزيز دور القوى المسلحة غير الخاضعة للسلطات المركزية.

وأوضح أن استمرار استخدام لبنان كورقة ضغط تفاوضية يضع البلاد في مواجهة مخاطر أمنية واقتصادية متكررة، فيما يتحمل المواطن اللبناني كلفة الصراعات الإقليمية، كما يعتبر أن العراق واليمن يواجهان تحديات مشابهة نتيجة استمرار منطق المحاور والنفوذ العابر للحدود.

وفي ضوء التطورات الحالية، يبدو أن لبنان يقف عند مفترق طرق بين مساعي الدولة لتثبيت سيادتها واستعادة قرارها الوطني، وبين استمرار التداخل بين الملفات اللبنانية والصراعات الإقليمية الأوسع.

وبينما تسعى بيروت إلى فصل مسارها التفاوضي مع إسرائيل عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، فإن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن هذا الفصل لا يزال يواجه تحديات كبيرة.

ومع استمرار المفاوضات الإقليمية والدولية، يطرح كثير من المراقبين تساؤلات حول مدى قدرة إيران على مواصلة سياسة "التفاوض عبر الساحات" بالفاعلية ذاتها التي اعتمدتها خلال العقود الماضية، فبينما وفرت هذه الاستراتيجية لطهران أوراق ضغط مهمة لفترات طويلة، فإن التحولات الجارية في لبنان والمنطقة توحي بأن كلفة الاحتفاظ بهذه الأوراق باتت تتزايد، وأن بعضها قد يتحول تدريجياً من عناصر قوة إلى مصادر استنزاف سياسي واستراتيجي قد تحد من قدرة إيران على الحفاظ على نفوذها التقليدي في السنوات المقبلة.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت، الخميس الماضي، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على تنفيذ وقف لإطلاق النار يتضمن إنشاء "مناطق تجريبية"، ووفق الخارجية الأمريكية فقد اتفق الطرفان، بتوجيه من واشنطن على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية، تسيطر فيها القوات المسلحة اللبنانية بشكل حصري على الأرض، مع استبعاد جميع الأطراف غير الحكومية.