من الجنوب والبقاع إلى الدمار الكبير: حساب حزب الله المؤجل

لم يعد غريباً على اللبنانيين قراءة مضمون بيانات امين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم المنفصلة عن الواقع انفصال الليل عن النهار. قراءة، لا مشاهدة او استماع ما دام الشيخ نعيم لم يعد يُطل على الشاشات، تضامناً على الارجح مع وليّ أمره مجتبى خامنئي الذي لا اثر له سوى في البيانات منذ تعيينه مرشداً للجمهورية الاسلامية. وبعيداً من الخلفيات والمُسببات التي لا أهمية لها في الوقائع والتطورات الميدانية، يبقى الأهم في سرديات قاسم ونواب حزبه الماضية في مقارعة الدولة وقراراتها إن لجهة رفض تسليم السلاح او التسليم بالمفاوضات التي تجريها مع الجالنب الاسرائيلي بهدف وقف آلة الحرب العسكرية التي تنهش لبنان بسبب ممارسات الحزب.

منذ اندلاع الحرب، يواصل قادة ونواب حزب الله التباهي بما يسمونه انتصارات، فيما يقف اللبنانيون أمام مشهد كارثي: قرى مدمّرة، منازل سُوّيت بالأرض واقتصاد منهار تحت عبء فاتورة إعادة إعمار تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات. وبين الخطابات الشعبوية وواقع الخراب، يبرز السؤال الأساسي: من يتحمّل مسؤولية ما جرى للبنان والجنوب؟

قبل الحديث عن النصر، يفترض بالحزب أن يخضع لمنطق الدولة اللبنانية، وأن يواجه مساءلة وطنية وقانونية وسياسية حول قرار جرّ البلاد إلى حرب مدمّرة من دون إجماع وطني أو قرار رسمي صادر عن مؤسسات الدولة. فمن الذي قرّر فتح جبهة الجنوب؟ ومن أعطى الحق لطرف واحد بأن يضع لبنان بأكمله في قلب مواجهة إقليمية مدمّرة؟

صحيح أن إسرائيل تتحمّل مسؤولية مباشرة عن سياسة التدمير والاحتلال والقصف، وصحيح ايضاً أن أطماعها ومشاريعها التوسعية ليست خافية على احد، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأخطر: لماذا منحها الحزب الذريعة الكاملة لتدمير الجنوب وجرّ لبنان إلى الكارثة رغم كل التحذيرات الدولية والإقليمية؟

في السياق ، تتساءل أوساط سيادية عبر "المركزية": إذا كانت إسرائيل حذّرت مرارًا من أن فتح جبهة الجنوب سيحوّل المنطقة إلى غزة جديدة، فلماذا أصرّ الحزب على المغامرة؟ وهل كان القرار لبنانياً فعلاً أم تنفيذاً لأوامر إيرانية مرتبطة بحسابات الحرس الثوري الإيراني والصراع الإقليمي؟

وتزداد علامات الاستفهام بعد إطلاق الصواريخ الستة في 2 آذار الماضي، رغم اتفاق وقف 27 تشرين الثاني 2024. فهل كان الحزب يدرك أن أي صاروخ سيُعتبر إعلان حرب؟ وهل جرى إبلاغ الدولة اللبنانية؟ أم أن القرار اتُّخذ خارج المؤسسات الشرعية، كما جرى مرارًا منذ اتفاق الطائف؟ الأخطر أن الحزب كان يعرف تمامًا حجم التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي. وقد سبق للأمين العام السابق حسن نصر الله أن أقرّ علنًا بالتفوّق الإسرائيلي، خصوصًا بعد الضربات الأمنية والتقنية التي أدّت إلى سقوط عشرات القتلى وخروج آلاف المقاتلين من الخدمة. ومع ذلك، اتُّخذ القرار بالمواجهة من دون أي حساب فعلي لحجم الكارثة التي ستصيب لبنان.

 بعد خراب الجنوب ونزوح أهله وتدمير بناه التحتية، لم يعد ممكناً الهروب من الحقيقة: هناك من اتخذ قرار الحرب، وهناك من يجب أن يتحمّل المسؤولية السياسية والمالية والوطنية. فالدولة اللبنانية مطالبة بمحاسبة كل من وضع لبنان في مواجهة مدمّرة خدمة لأجندات خارجية، كما أن من حق اللبنانيين المطالبة بمساءلة كل الجهات التي دفعت البلاد إلى الانهيار، وفي مقدّمها إيران التي يتهمها كثيرون بإدارة قرار الحرب والسلم عبر الحزب