المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ناديا غصوب
الخميس 26 شباط 2026 07:06:45
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعود النقاش في واشنطن حول شكل المواجهة المحتملة مع طهران إلى الواجهة، مع تزايد الحديث في الأوساط التحليلية الأميركية عن سلّة خيارات تتدرّج من الضغط التقني غير المرئي إلى الضربات الواسعة التي قد تعيد رسم توازنات المنطقة.
الطرح المتداول في بعض المنابر الأميركية لا ينطلق من سؤال "هل" بل من سؤال "كيف". كيف يمكن توجيه ضربة موجعة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟ وكيف يمكن تحقيق ردع فعّال من دون تفجير المنطقة برمّتها؟
الخيار الأول يقوم على ما يُعرف بالحرب غير الحركية. هنا لا تُسمع أصوات انفجارات، بل تتحرك الأدوات في الفضاء السيبراني والإلكتروني. هجمات إلكترونية تستهدف البنى العسكرية وربما المدنية، أدوات تشويش وتعطيل لأنظمة حساسة، ومحاولات لفتح قنوات معلوماتية داخلية. الفكرة الأساسية: إنهاك القدرات من الداخل، وإرباك المنظومات الحيوية، من دون منح الطرف المقابل ذريعة واضحة لردّ عسكري واسع. إنه خيار منخفض الكلفة سياسيًا، لكنه مرتفع المخاطر إذا خرج عن السيطرة التقنية.
الخيار الثاني يتمثل في ضربات "محدودة" زمنيًا وجغرافيًا. عمليات تستمر يومًا أو يومين، تستهدف مواقع عسكرية وربما شخصيات قيادية، في إطار رسالة ردع محسوبة. هذا السيناريو يراهن على عنصر الصدمة: ضربة مركّزة وسريعة تعيد رسم الخطوط الحمراء، ثم توقف مدروس لتفادي دوامة التصعيد. غير أن هذا النوع من العمليات يحمل معضلة بنيوية: لا أحد يضمن أن يبقى الرد المقابل ضمن السقف نفسه.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر دراماتيكية، فيقوم على استخدام "الأدوات الكبرى". حملة ممتدة قد تطال القيادة، والبرنامج النووي، وشبكات الطاقة، وقطاع النفط، والقدرات البحرية. هنا لا يعود الهدف مجرد ردع، بل إضعاف شامل لبنية الدولة. هذا الخيار، إن طُبّق، لن يكون عملية عسكرية فحسب، بل حدثًا جيوسياسيًا يعيد خلط الأوراق في الخليج وشرق المتوسط وربما أبعد من ذلك.
ولا يمكن قراءة أي تصعيد محتمل بين واشنطن وطهران بمعزل عن موقع "حزب الله" في لبنان. فـ "الحزب" يُعدّ أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، وعنصرًا محوريًا في معادلة الردع غير المباشر. أي ضربة تستهدف الداخل الإيراني، سواء كانت سيبرانية أو عسكرية محدودة، ستضعه أمام اختبار بالغ الحساسية: هل يلتزم سياسة الاحتواء وضبط الإيقاع، أم ينخرط في الرد ضمن قواعد اشتباك مدروسة؟
لبنان، الغارق في أزماته، لا يملك ترف تحمّل تداعيات مواجهة مفتوحة. ومع ذلك، فإن موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية يجعلان منه ساحة محتملة لتبادل الرسائل. يدرك "الحزب" أن أي انخراط واسع قد يعرّض البنية اللبنانية الهشة لمخاطر جسيمة، لكنه في الوقت نفسه جزء من منظومة إقليمية تتجاوز الحسابات المحلية الضيقة.
وفي مؤشر لا يمكن فصله عن مناخ الترقب الأمني، أعلنت سفارة الولايات المتحدة في بيروت إجلاء الموظفين غير الأساسيين وعائلات بعض العاملين إلى خارج لبنان. خطوة تُوصَف رسميًا بأنها إجراء احترازي، لكنها في الحسابات الاستراتيجية تعكس تقديرًا بأن هامش المخاطر آخذ في الاتساع. فالولايات المتحدة لا تُقلّص حضورها الدبلوماسي إلا عندما ترى أن البيئة المحيطة مرشحة لمستوى أعلى من عدم الاستقرار.
لا يعني الإجلاء بالضرورة أن المواجهة وشيكة، لكنه يشير إلى تموضع استباقي استعدادًا لسيناريوات مفتوحة. وهو يضيف طبقة جديدة من القلق إلى الداخل اللبناني.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بخيارات عسكرية تقنية بقدر ما هو اختبار لإدارة المخاطر. كل مسار يحمل في طيّاته احتمالات ردع واحتمالات انفجار. وبين الحرب الصامتة والحرب الشاملة، تبقى المنطقة واقفة على حافة توازن هش، حيث قد تكفي شرارة محسوبة خطأ لإشعال مشهد لا يمكن ضبط إيقاعه بسهولة، وقد يجد لبنان نفسه مرة أخرى في قلب معادلة تتجاوز قدرته على التحكم بمساراتها.