المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نخلة عضيمي
الاثنين 27 تموز 2026 06:45:06
كالعادة، يختار "حزب الله" سياسة الصمت والغموض. لا تأكيد للحرب ولا نفي لها، ولا إعلان عن فتح جبهة ولا إقفال لبابها. وبين الصمت المدروس والرسائل المبطّنة، يترك "الحزب" الباب مفتوحًا أمام احتمال العودة إلى "حرب إسناد" جديدة، عبر تسويق معادلة مفادها أن القرار مرتبط بما ستُقدم عليه إسرائيل، في مشهد يثير المخاوف من مغامرة جديدة يدفع لبنان ثمنها.
هذا هو المناخ عشية الاجتماع الأكثر حساسية في واشنطن، الثلثاء، بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في لحظة قد ترسم مسار المرحلة المقبلة في المنطقة.
لكن القلق اللبناني لا يرتبط فقط باحتمال المواجهة، بل بما يجري في الداخل. فطالما بقي "حزب الله"مرتبطًا عضويًا بالحرس الثوري الإيراني، يبقى احتمال استخدام الساحة اللبنانية في الحسابات الإقليمية قائمًا.
وتكشف معلومات متداولة عن وجود مجموعات من النازحين السوريين من بلدتي نبل والزهراء ومحيط حلب، انتقلت إلى منطقة الهرمل بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث أُقيمت لهم تجمعات، قبل الحديث عن نقل بعض الأفراد منهم إلى قضاء النبطية. وهنا تبرز أسئلة أساسية: من ينظم وجود هذه المجموعات؟ من يمول انتقالها؟ ومن يحدد وجهتها وأهدافها؟ وهل تخضع كل هذه التحركات لرقابة الدولة وأجهزتها، أم أن هناك مسارًا موازيًا خارج المؤسسات الرسمية؟
وتترافق هذه المعلومات مع تداول أنباء عن إخراج أو إبعاد عائلات بعض قيادات "حزب الله" من الضاحية الجنوبية إلى مناطق أخرى، بطريقة غير معلنة. وإذا صحت هذه المعطيات، فهل هي إجراءات احترازية مرتبطة باحتمال مواجهة قريبة؟ أم أنها جزء من ترتيبات أوسع تحسبًا لحرب جديدة لا يعرف أحد كيف تبدأ ولا كيف تنتهي؟
وفي موازاة ذلك، يبقى ملف شبكات الاتصالات الخاصة التي أعاد "حزب الله" تفعيلها أو تمديدها في مناطق شمال الليطاني موضع تساؤل: من سمح باستمرارها؟ من يراقبها؟ ولماذا لم تُحسم هذه المسألة نهائيًا ضمن مسار استعادة الدولة لقرارها الأمني؟
وماذا عن الحديث عن استرداد "حزب الله" جزءًا من مخزون أسلحة نوعية يعود إلى الجماعة الإسلامية؟ وماذا عن الشحنات التي ضُبطت على الحدود اللبنانية–السورية؟ ما طبيعتها؟ إلى أين كانت متجهة؟ ومن يقف خلفها؟ وأين أصبحت التحقيقات؟
وترى مصادر متابعة أن اجتماع هذه المؤشرات — تحركات بشرية غير واضحة، وشبكات اتصالات خارج سلطة الدولة، وتوترات إقليمية متصاعدة، وشحنات قيد التحقيق — يفرض مقاربة أمنية عاجلة، لأن ترك الأمور على هذا النحو قد يجعل لبنان أمام واقع يُفرض عليه بقرار خارجي.
فهل نحن أمام وقائع منفصلة؟ أم أن هناك إعادة ترتيب لبنية أمنية ولوجستية استعدادًا لمرحلة جديدة؟
السؤال لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بمصير لبنان. فتكريس السيادة بعد لقاء واشنطن، وما يحمله من تحولات محتملة، يتطلب إنهاء كل مظاهر الدويلة داخل الدولة: من الاتصالات إلى الأمن واللوجستيات وحركة السلاح.
لبنان لا يحتمل حرب إسناد ثالثة، ولا يستطيع أن يتحول مجددًا إلى ساحة خلفية لصراعات المنطقة. المطلوب إجراءات استباقية قبل إطلاق الصواريخ، تبدأ بضبط الحدود، وكشف حقيقة عمليات النقل المنظمة، وإخضاع أي شبكة اتصالات للقانون، وتوضيح مصير الشحنات المضبوطة، ومنع أي جهة مسلحة من إدارة حركة الأشخاص أو الموارد خارج سلطة الدولة.
وما يزيد المخاوف ما ينقله بعض مسؤولي "حزب الله"، في لقاءات مغلقة، عن أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن المرحلة المقبلة قد تحمل مفاجآت.
لذلك، تبدو الأيام المقبلة مفصلية: فإما أن يستيقظ اللبنانيون على مغامرة إسناد جديدة تكون كلفتها كارثية، أو تبدأ فعليًا مرحلة تثبيت الدولة وانحسار الحقبة الإيرانية في لبنان.