من باريس إلى روما: هل تتقدّم إيطاليا الى قيادة الدور الأوروبي في لبنان؟

 

لا تبدو زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون لروما، الخميس، زيارة بروتوكولية عادية. فالتوقيت الذي فرضها يتزامن مع لحظة يعاد فيها رسم المشهد الأمني والسياسي في لبنان: مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، بحث في آليات تطبيق التفاهمات، ونقاش متسارع حول مستقبل الوجود الدولي في الجنوب مع اقتراب انتهاء ولاية "اليونيفيل" نهاية العام

من هنا، تتخذ الزيارة أهمية تتجاوز العلاقات اللبنانية ـ الإيطالية، لتطرح سؤالاً أكبر: هل بدأت إيطاليا تتقدم لتكون العنوان الأوروبي الأبرز في المرحلة المقبلة، ولا سيما في الملف الأمني والجنوبي، من دون أن يعني ذلك إزاحة فرنسا؟

 

الملف الأكثر حساسية على طاولة عون في روما سيكون، بحسب مصادر مقربة من بعبدا، مستقبل القوة الدولية الجديدة، وإمكان أن تضطلع إيطاليا بدور قيادي فيها. فالمسألة لم تعد تقتصر على احتمال التمديد لـ"اليونيفيل"، إذ تتعامل بيروت مع انتهاء مهمتها كاحتمال جدي، وتريد في حال حصوله ضمان ألا يتحول الجنوب إلى فراغ أمني، وألا تأتي الصيغة البديلة على حساب سيادة الدولة ودور الجيش اللبناني.

من اليونيفيل إلى القوة الجديدة
تملك روما عناصر قوة تجعلها مرشحة طبيعية لهذا الدور. فهي من أبرز المشاركين في "اليونيفيل"، ولها حضور عسكري وخبرة طويلة في الجنوب، فضلاً عن علاقة مباشرة بالمؤسسة العسكرية اللبنانية عبر التدريب والتعاون. لكن الأهم أن إيطاليا لم تعد تكتفي بالمشاركة في القوة الدولية، بل دخلت في صلب البحث في ما بعد اليونيفيل.

المبادرة الأوروبية المطروحة، التي تقودها فرنسا وإيطاليا، تتجه إلى صيغة متعددة الجنسيات تحول دون حصول فراغ في الجنوب. لكن النقاش لم يحسم بعد شكل القوة أو مرجعيتها القانونية أو طبيعة صلاحياتها. هل تكون أوروبية؟ أم متعددة الجنسيات؟ وهل تحصل على تفويض أممي؟ وكيف ستكون علاقتها بالجيش اللبناني؟

هذه الأسئلة ستكون جوهرية في محادثات عون مع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الحكومة جورجيا ميلوني، ولا سيما أن البحث يتقدم أيضاً في الدول التي يمكن أن تشارك في القوة أو في آلية التحقق الأمنية.

وهنا تحديداً تتقدم إيطاليا خطوة إضافية.

إلى جانب مستقبل "اليونيفيل"، سيبحث عون في الدور الإيطالي المحتمل في آلية التحقق ضمن المناطق التجريبية التي يجري بحثها بالتوازي مع المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية. وهذه النقطة قد تكون أهم من مجرد المشاركة في قوة دولية جديدة، لأنها تضع إيطاليا في صلب آلية تنفيذ التفاهمات على الأرض.

واستضافة روما جولات من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية منحتها موقعاً يتجاوز دور الدولة الأوروبية الداعمة للبنان إلى موقع الدولة القادرة على استضافة قنوات الاتصال والمساهمة في ترتيبات المرحلة المقبلة.

وهذا ما يفسر التقدم الإيطالي الهادئ: روما تجمع بين الدبلوماسية والميدان. فهي موجودة في الجنوب، على علاقة بالجيش، تستضيف المفاوضات، وتتحرك في ملف ما بعد "اليونيفيل".

هل تحلّ إيطاليا محلّ فرنسا؟
الأرجح أن المعادلة ليست "روما بدل باريس"، بل روما إلى جانب باريس، ولكن بأدوار مختلفة.

فرنسا لا تزال صاحبة ثقل سياسي وتاريخي كبير في لبنان، وهي شريكة أساسية في المبادرة الأوروبية المتعلقة بالقوة البديلة. لكن إيطاليا تبدو أكثر تقدماً في الجانب الأمني والعسكري، بحكم حضورها المباشر في الجنوب وخبرتها داخل «اليونيفيل» وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية اللبنانية.

بمعنى آخر، قد تكون باريس أكثر حضوراً في السياسة، فيما تتقدم روما في الأمن والدفاع والجنوب.

ولا يمكن فصل ذلك عن التحرك الإيطالي الأوسع، بما فيه اتصالات وزير الخارجية أنطونيو تاياني مع الأطراف المعنية، الذي يعتمد ديبلوماسية هادئة بعيدة عن الضجيج، لكنها حاضرة في الملفات الأكثر حساسية.

أما لقاء عون البابا لاوون الرابع عشر والكاردينال بيترو بارولين في الفاتيكان، فيحمل بُعداً مختلفاً. فالهدف هنا ليس التفاوض على القوة الدولية، بل تأمين دعم الكرسي الرسولي للبنان والاستفادة من نفوذه المعنوي واتصالاته مع واشنطن وأوروبا ودول المنطقة، في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى شبكة حماية سياسية وديبلوماسية واسعة.

لذلك، فإن زيارة عون لروما قد تكون محاولة لبنانية للتأثير في شكل المرحلة المقبلة قبل أن تصبح ترتيبات ما بعد "اليونيفيل" أمراً واقعاً.

وإذا نجحت إيطاليا في لعب دور قيادي داخل القوة أو آلية التحقق الجديدة، فلن تكون قد حلت مكان فرنسا، بل ستكون قد حجزت لنفسها موقعاً جديداً: الدولة الأوروبية الأكثر التصاقاً بالملف الأمني اللبناني وبالجنوب، وربما أحد مفاتيح المرحلة التي ستلي "اليونيفيل".