من حفظ الأمن إلى تقرير المصير

في أوائل 1978، وقعت أعمال عنف في شرقي المتوسط، حيث قامت إسرائيل باحتلال بعض الأراضي اللبنانية وبناءً على طلب الحكومة اللبنانية اجتمع مجلس الأمن محذّرًا من أمرين:

A - انعكاس الوضع على السلام في الشرق الأوسط، وبالتالي على السلام العالمي.

B - شطب إمكانية التوصل إلى سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. في المقابل، أكّد مجلس الأمن بقراره 425 تاريخ 19 آذار 1978، ثلاثة أمور ينبغي العمل لها:

1 - الاحترام الصارم لوحدة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليًّا.

2 - الطلب إلى إسرائيل وقف عملها العسكري ضد سلامة الأراضي اللبنانية، وسحب فورًا قواتها من الأراضي اللبنانية.

3 - الاستجابة لطلب الحكومة اللبنانية فورًا، بإنشاء قوّة دولية موقتة في جنوب لبنان تحت أمرة مجلس الأمن تقوم بثلاث مهمات: 

أ - التأكّد من الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.

ب - إعادة السلام والأمن الدوليين إلى سابق عهدهما.

ج - مساعدة الحكومة اللبنانية في تأمين إعادة سلطتها إلى المنطقة.

وقد صوَّت مجلس الأمن بـ 12 صوتًا مع القرار، وبصوتَي امتناع هما روسيا وتشيكوسلوفاكيا، وصوت لم يشترك هو للصين.

في أواسط 2006، وتحديدًا 12 تموز منه، شنّ "حزب الله" هجومًا على إسرائيل أسفر عن مئات القتلى والجرحى من الجانبين، وتسبَّب بأضرار في البنى المدنية، وأسفر عن تشريد آلاف الأشخاص. هذا التطوّر الخطير وضع الحكومة اللبنانية ومعها الجيش اللبناني و"اليونيفيل"، أمام تحدّيات جديدة وخطيرة، ولا بد من مواجهتها بما يناسب من إجراءات، بما يستدعي تقوية وزيادة القوى المسلحة الرسمية اللبنانية والدولية في آن، والعمل في الوقت عينه على انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان إلى ما وراء الخط الأزرق. وإذ يعتبر مجلس الأمن أن الوضع في لبنان يشكّل تهديدًا للسلام والأمن الدوليين، فإنه يدعو إلى:

1 – وقف فوري للأعمال الحربية من الجانبين.

2 - نشر قوات "اليونيفيل" والجيش اللبناني في الجنوب.

3 - بسط سلطة الدولة اللبنانية على الأراضي اللبنانية.

4 - التمسك بوحدة وسلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليًا، كما هو وارد في اتفاقية الهدنة الإسرائيلية – اللبنانية الموقّعة في 23 آذار 1949.

5 - احترام صارم من الجانبين للخط الأزرق.

6 - إقامة منطقة خالية من السلاح بين الخط الأزرق والليطاني.

7 - نزع أسلحة المجموعات المسلحة في لبنان ليبقى السلاح بيد الدولة وحدها.

8 - منع أي قوّة أجنبية في لبنان لا تحظى بموافقة الحكومة اللبنانية.

9 - وضع مقترحات لتطبيق اتفاق الطائف، ولا سيما ترسيم الحدود في بعض الأماكن، ومنها مزارع شبعا.

10 - القيام بما أمكن لمساعدة الحكومة اللبنانية على ممارسة سلطتها في كل الأراضي اللبنانية، وأن تعمل "اليونيفيل" عندما ترى ذلك ممكنًا في حدود إمكاناتها.

بالرغم من النوايا الطيبة والمبادرات الإيجابية التي ميّزت عمل "اليونيفيل" في لبنان، فإن القوى المحلية، سواء كانت إسرائيلية أم تابعة لـ"حزب الله"، لم تكن مرحّبة بها لأسباب تتصل بالهيمنة على الوطنية اللبنانية. وهذا التنافس أدّى إلى وقوع أحداث مؤسفة وصلت إلى حدود استشهاد جنود من "اليونيفيل". أمام هذا الواقع، اتخذت الدول المشاركة قرارًا بإنهاء عضويتها في لبنان. وهكذا اجتمع مجلس الأمن في 8 آب 2025 وتبنّى بالإجماع القرار 2790 الذي يقضي بتجديد ولاية قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" للمرة الأخيرة حتى نهاية 2026، أي 31 كانون الأول 2026، وأن يبدأ خفض القوات وانسحابها تدريجيًا وبشكل منظّم.

على أن هذا القرار شكّل صدمة لبعض الدول الأوروبية المشاركة في "اليونيفيل" فهي وخاصة تلك التي لها علاقات خاصة وتاريخية مع لبنان كفرنسا، لم تكن قادرة على تصوّر لبنان عاريًا من كل ضمانة دولية وراحت تتساءل من جديد: كيف يمكن شرعنة قوات دولية في لبنان كي تحفظ الأمن فيه، إن على الصعيد الداخلي أم الخارجي؟

هذا ما نُسأل عنه، وفي هذه المرحلة بالذات!

الجواب عن ذلك واضح وصريح، ويدخل ضمن علم الجغرافيا السياسية فالجغرافيا السياسية تتناول الدول الحاجزة (ETATS – TAMPONS) ومنها لبنان، فهو دولة حاجزة بين إسرائيل وسوريا. ومثل هذا التصنيف يجعل من لبنان دولة ذات صفة حيادية، فالسلام في لبنان هو عنصر أساسي في توازن المنطقة. ولقد أصرّت المجموعة الأوروبية، في اجتماع لوكسمبورغ 1980، على "وجوب احترام وحدة لبنان واستقلاله وسيادته وسلامة أراضيه احترامًا كاملا، لأن احترام حدود لبنان الدولية يُعتبر واحدًا من الأمور الأساسية للأمن والاستقرار في المنطقة". ولهذا، من الضروري أن تنسحب من لبنان القوات الإسرائيلية والسورية والفلسطينية في أسرع وقت ممكن. ذلك أن لبنان هو واجهة الشرق الأوسط، وهي منطقة للدول الأعضاء في المجموعة الأوروبية معها روابط سياسية وتاريخية وجغرافية واقتصادية ودينية وثقافية وإنسانية. ولذا ستعمل الدول كل ما بوسعها للحيلولة دون "إقامة إسرائيل الكبرى وسوريا الكبرى على حساب لبنان الصغير"، كما صرّح كلود شيسون، وزير الخارجية الفرنسي. فالحياد هو الحل، وصيغة لبنان لا يمكن إلا أن تكون صيغة حيادية. فحياد لبنان هو ضرورة لحل مشكلته. وبالإضافة إلى هذا الموقف الثابت لفرنسا من حياد لبنان، برز موقف بريطاني جديد في ذات الاتجاه، متأثرًا بالتوجه الجديد لدى الإدارة البريطانية، والذي عكسه وجود سفراء بريطانيين في لبنان من أمثال السيد جون غراي، الذي اعتبر أن "14 سنة من الحرب في لبنان لا يمكن أن تلغي 4 آلاف سنة من التاريخ".

ذلك أن لبنان، في نظر السفير البريطاني غراي، "إن هذا الجزء من شاطئ البحر المتوسط الذي نسميه لبنان قد عاش حضارة مميّزة عبر ألوف السنين، وكان مركز تلاق لثقافات عدّة طوال مئات السنين. لقد شهد الإمبراطوريات تجيء وتروح، ولا مرة فقد الحسّ بأنه غير هؤلاء الآخرين. فلبنان يمثّل شيئًا خاصًا وثمينًا في تاريخ البشرية. إذا مات لبنان، فإن فلذة من روح الإنسانية تموت معه، ولكن لبنان لا يموت. فهو، كطير الفينيق، سينبثق من الرماد.للبنان ماض طويل، وسيبقى أطول".وبمثل هذه المشاعر يمكن فهم قول وزير الخارجية البريطاني جيفري هاو: "إن انهيار لبنان يحمل معه بذور الخطر الذي يهدّد العالم كله".

بمثل هذا الكلام التاريخي والمشرّف لوطن الأرز، يمكن الحسم بموضوع تصنيف لبنان واللبنانيين إلى وطن الأرز مع امتداد يطاول أكثر من أربعة آلاف سنة كما يمكن السعي لتحييد لبنان باعتباره الحل الوحيد الضامن لمصير لبنان وسيادته واستقلاله وبهذا الحل الدائم، يمكن الخروج من مشاكل الأمن المحيطة بلبنان ووضعه على سكة البقاء الدائم من خلال الحياد الدائم!