من "علي الطاهر" إلى جبل صافي.. إسرائيل تطارد ترسانة الحزب في عمقه الجبلي

لم تعد مرتفعات علي الطاهر تمثل الحد الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان؛ إذ تكشف معطيات عسكرية لبنانية عن أن المنطقة الواقعة خلفها قد تكون الهدف الأكثر خطورة في المرحلة المقبلة، بعدما تحولت خلال الفترة الماضية إلى واحدة من مناطق إعادة توزيع جزء من قدرات "حزب الله" العسكرية التي سُحبت من مواقع أكثر تعرضاً للهجمات الإسرائيلية.

وقال مصدر عسكري لبناني لـ"إرم نيوز" إن المعطيات المتوافرة لديه ترجح أن الحزب نقل أسلحة وقدرات عسكرية إلى الحزام الجبلي الممتد عبر إقليم التفاح والريحان باتجاه عرمتى ومليتا وجبل صافي، مستفيداً من التضاريس الجبلية وشبكة المواقع القديمة والبنية التحتية التي يمتلكها في المنطقة. 

وبحسب المصدر، تشمل هذه القدرات أجزاء من الترسانة الصاروخية ومنظومات دفاع جوي ومعدات عسكرية أخرى، جرى توزيعها على أكثر من موقع بدلاً من تجميعها في منشآت مركزية يمكن استهدافها بضربة واحدة.

وتشير المعطيات ذاتها إلى استخدام منشآت تحت الأرض ومواقع قديمة أعيد تأهيل بعضها، في وقت يحاول فيه الحزب تقليص حركة السلاح والعناصر فوق الأرض خشية الرصد الإسرائيلي.

ما بعد علي الطاهر

وتكتسب المعلومات أهميتها مع سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر؛ إذ لم يعد السؤال العسكري متعلقاً بما خسره الحزب هناك بقدر ما أصبح مرتبطاً بالخط الذي قد تتحرك إليه العمليات بعد ذلك.

ولا يستبعد المصدر العسكري اللبناني أن ينتقل الضغط الإسرائيلي تدريجياً باتجاه الحزام الممتد من عربصاليم والجرمق وسجد والريحان إلى عرمتى وجبل صافي. مضيفا أنه في حال حدوث ذلك، فإن "العمليات لن تكون نسخة أخرى من معركة علي الطاهر؛ فبدلاً من مرتفع يمكن تطويقه وعزله، ستكون إسرائيل أمام كتلة جبلية واسعة ومترابطة كانت منذ ثمانينيات القرن الماضي جزءاً من العمق العسكري للحزب".

وظهر مؤشر على اتساع رقعة الضغط مع وصول الغارات أخيراً إلى عربصاليم ومحيط الريحان وإقليم التفاح؛ ما يضع العمليات الإسرائيلية على تماس متزايد مع المنطقة التي تعتبرها المصادر امتداداً طبيعياً لأي محاولة لتفكيك دفاعات الحزب الأعمق.

ماذا يوجد داخل الجبال؟

المعلومات التاريخية والمصادر المفتوحة تعطي وزناً إضافياً للمعطيات اللبنانية الجديدة. فجبل صافي، الذي يمثل النقطة الأكثر حساسية في هذا الحزام، ارتبط سابقاً بمنظومة الدفاع الجوي للحزب. وفي يونيو/حزيران 2024 أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف في المنطقة منشأة تابعة لوحدة الدفاع الجوي، قال إن صواريخ مضادة للطائرات أطلقت منها باتجاه طائرات إسرائيلية.

وتذهب تقديرات استخباراتية إلى وجود بنية استراتيجية تحت الأرض في نطاق جبل صافي، جرى ربطها ببنية صاروخية ثقيلة، بينها منشآت قالت التقارير إنها يمكن أن تستخدم لصواريخ من عائلة "فاتح-110".

أما مليتا، فتقدم الدليل الأكثر وضوحاً على طبيعة البنية التي أنشأها الحزب داخل هذه الجبال. فالمنطقة احتضنت خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي مركزاً للقيادة والسيطرة، ولا تزال الأنفاق التي حفرها الحزب داخل الجبل شاهداً على نموذج يقوم على الغرف المحصنة والمخازن وممرات الحركة تحت الأرض.

وعلى مسافة غير بعيدة تقع عرمتى، التي اختارها الحزب في مايو/أيار 2023 لإقامة مناورة عسكرية كبيرة شاركت فيها عناصر من قواته الخاصة، وعرض خلالها راجمات صواريخ وطائرات مسيرة وأسلحة مضادة للطائرات، مع محاكاة عمليات اقتحام لمواقع إسرائيلية.

 ووفقا لمعطيات المصدر، فإن هذه المساحة الجبلية المترابطة تتضمن عناصر متعددة من التاريخ العسكري للحزب، بدءا بقيادة تحت الأرض في مليتا، مرورا بنشاط للدفاع الجوي في جبل صافي، وصولا لحضور قوات النخبة في عرمتى، وتقديرات عن بنية صاروخية وأنفاق أعمق موزعة في المنطقة.

الصواريخ تتحرك إلى الخلف

يرى المصدر العسكري أن إعادة توزيع السلاح بعد الخسائر التي تعرض لها الحزب جنوباً لا تعني إنشاء بنية جديدة من الصفر، وإنما العودة إلى مناطق تمتلك أصلاً بنية عسكرية يمكن توسيعها أو إعادة استخدامها.

وهذا تحديداً ما يجعل المنطقة هدفاً محتملاً لإسرائيل، حسب قوله، "إذا كانت إسرائيل تمتلك معطيات مشابهة بشأن انتقال السلاح، فإن هدف المرحلة المقبلة قد لا يكون احتلال إقليم التفاح أو جبل صافي بالكامل، وإنما حرمان الحزب من تحويلهما إلى مخازن جديدة لترسانته بعد خسارة مواقع أخرى".

ويتوقع المصدر أن تبدأ العملية بضرب طرق النقل ومداخل الأنفاق ومراكز القيادة ومواقع الإطلاق، بالتوازي مع استهداف مخازن السلاح، ثم عزل أجزاء من المنطقة وتنفيذ عمليات برية محدودة كلما سمحت الظروف. وهكذا يصبح نموذج علي الطاهر قابلاً للتكرار، لكن على نطاق جغرافي أكثر اتساعاً وخطورة. 

معركة تفكيك العمق

في تعليقه على هذا السيناريو، يقول الخبير العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور لـ"إرم نيوز" إن انتقال العمليات إلى إقليم التفاح والريحان سيعني دخول الحرب مرحلة مختلفة؛ لأن إسرائيل لن تكون أمام خط دفاع واحد، وإنما أمام منظومة جبلية مترابطة استثمر فيها حزب الله عسكرياً لعقود.

ويرى النور أن "المنطق العسكري يرجح محاولة تفكيك المنطقة من الخارج إلى الداخل، عبر الاستطلاع المكثف وضرب طرق الحركة ومداخل المنشآت ومواقع الإطلاق، قبل التفكير بأي انتشار بري واسع؛ لأن اقتحام هذه الجغرافيا دفعة واحدة ستكون كلفته مرتفعة".

ويضيف أن نقل السلاح إلى العمق يحمي جزءاً من الترسانة مؤقتاً، لكنه قد يكشف في الوقت نفسه الاتجاه الذي ستنتقل إليه الحرب، موضحاً أن "تحديد إسرائيل لمناطق إعادة الانتشار سيحولها تلقائياً إلى بنك أهداف جديد".

جبل صافي.. أين يتوقف الخط؟

قد يكون الخطر الأكبر بالنسبة لحزب الله أن الجغرافيا التي وفرت له الحماية طوال عقود تتحول الآن إلى خريطة تقود إسرائيل نحو ما تبقى من بنيته العسكرية. فخسارة "علي الطاهر" كانت خسارة لموقع شديد الأهمية، أما انتقال المعركة عبر عربصاليم وسجد والريحان باتجاه عرمتى ومليتا وجبل صافي، فيعني الضغط على منظومة كاملة تضم طرق حركة ومواقع عسكرية وبنية تحت الأرض وقدرات صاروخية.

وإذا بدأت إسرائيل بالفعل بتفكيك هذا الحزام تدريجياً، فإنها لن تكون قد وسعت المنطقة التي تقاتل فيها فحسب، بل ستكون قد نقلت الحرب من الأطراف التي حاول حزب الله الدفاع عنها إلى الجبال التي اختارها منذ عقود لتكون عمقه.