من نمو 4.2% إلى انكماش 6.4%: الاقتصاد اللبناني استعاد النمو ولم يستعد مناعته

يبدو الاقتصاد اللبناني في 2025 كأنه بدأ يستعيد أنفاسه، بعدما سجل نموا بنسبة 4.2%، هو الأعلى منذ انهيار 2019. لكن هذا الرقم يخفي في داخله مفارقة أساسية. فالنمو الذي تحقق من دون تغيير فعلي في بنية الاقتصاد أو معالجة أسباب الانهيار، اعتمد بصورة رئيسية على الاستهلاك المدعوم بتحويلات المغتربين، وانتعاش السياحة جزئيا، ونشاط محدود في العقارات والبناء. ومع أول صدمة كبيرة في 2026، تبددت سريعا صورة التعافي، لتتحول التوقعات إلى انكماش بنسبة 6.4% وفق البنك الدولي.

ويكشف المسار بين العامين حدود التعافي أكثر مما يعكس تقلبا عاديا في الدورة الاقتصادية. إذ أن الاقتصاد الذي يستطيع النمو عندما تتوافر له التحويلات والسياحة، لكنه يعجز عن امتصاص صدمة عسكرية من دون خسائر كبيرة، هو اقتصاد لم يستعد بعد مقومات المناعة. وبعبارة أوضح الاقتصاد اللبناني "لا يبني مناعة، بل يستعير وقتا"، وفق الخبير الاقتصادي بيار الخوري.

فالاختبار الحقيقي للتعافي لا يكمن في تسجيل نسبة نمو إيجابية في سنة مواتية، بل في قدرة الاقتصاد على المحافظة على نشاطه عندما تتراجع السياحة، وتتضرر البنى التحتية، وترتفع كلفة الاستيراد والإنفاق العام. وهذا تحديدا ما أظهرته تطورات 2026، بعدما أدى التصعيد العسكري اعتبارا من 2 آذار إلى تشريد نحو 1.2 مليون شخص، وأصاب السكن والبنى التحتية، وأوقف عمليا أحد أهم محركات النمو، أي السياحة.

نمو اعتمد على الاستهلاك والسياحة
 يشرح الخوري أن نمو 2025 لم يكن نتيجة تحول في النموذج الاقتصادي اللبناني، إذ بقي الاستهلاك المدعوم بتحويلات المغتربين المحرك الرئيسي، إلى جانب موسم سياحي متعافٍ جزئيا واستثمارات محدودة في العقارات والبناء. في المقابل، لم يسجل القطاع المصرفي أو إدارة الدين العام إصلاحات بنيوية قادرة على توفير قاعدة أكثر استدامة للنمو.

وجاءت الصدمة العسكرية في 2 آذار 2026 لتضع هذه المحدودية تحت الاختبار. فقد أدت الحرب إلى تشريد نحو 1.2 مليون شخص، وألحقت أضرارا جديدة بالمساكن والبنى التحتية، فيما توقف النشاط السياحي الذي كان قبل أشهر فقط إحدى أبرز رافعات النمو.

وفي السياق، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في 2026. وبالنسبة إلى الخوري، فإن الانتقال من نمو 4.2% إلى انكماش متوقع بـ6.4% لا يعكس مجرد تقلب في الدورة الاقتصادية، بل يكشف حجم افتقار الاقتصاد إلى هوامش أمان تحميه من الصدمة الأولى.


فائض مالي... ولكن ...؟

على الجبهة المالية، تبدو الصورة أكثر إيجابية للوهلة الأولى. فقد سجلت الحكومة فائضا إجماليا يعادل 3.9% من الناتج المحلي في 2025، بعدما ارتفعت الإيرادات بنسبة 49% مقابل زيادة النفقات بنسبة 27%.

واستمر هذا الأداء في الربع الأول من 2026، إذ بلغت الإيرادات العامة نحو 1.6 مليار دولار، بزيادة 44% عن الفترة نفسها من 2025، مقابل نفقات بلغت 1.14 مليار دولار، بزيادة 47%، ما أنتج فائضا يقارب 469 مليون دولار.

لكن قراءة الخوري لهذه الأرقام لا تتوقف عند النتيجة النهائية. فأكثر من 70% من إيرادات الربع الأول جاءت من الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية، أي من ضرائب ورسوم غير مباشرة يتحملها المستهلك في حياته اليومية، وليس من توسع فعلي ومستدام في القاعدة الضريبية.

كما أقر مجلس النواب موازنة 2026 على أساس إيرادات ونفقات متوازنة عند نحو 6 مليارات دولار لكل منهما، بزيادة تقارب 21% عن أرقام موازنة 2025. ويرى الخوري أن هذه الزيادة تعكس حجم الحاجات الطارئة أكثر مما تعكس اتساعا فعليا في الإيرادات القابلة للتحصيل.

صحيح أن الدولة تستطيع تسجيل فائض، لكن السؤال هو عن مدى قدرتها على المحافظة عليه في ظل اتساع الحاجات الإنسانية وكلفة إعادة الإعمار، إلى جانب الضغوط لزيادة أجور القطاع العام. ويحذر البنك الدولي من أن هذه المتانة المالية قد تتآكل مع تباطؤ نمو الإيرادات.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي، وفق الخوري، لا يكمن في قدرة الدولة على تسجيل فائض محاسبي، بل في قدرتها على تمويل الإغاثة وإعادة الإعمار من دون العودة إلى العجز أو إضافة دين جديد إلى دين لم تُحسم معالجته بعد.


استقرار سعر الصرف لا يعني استقرارا اقتصاديا

على المستوى النقدي، يبدو المشهد أكثر استقرارا. فسعر الصرف ثابت عند نحو 90 ألف ليرة للدولار، بفضل احتياطيات مصرف لبنان وضبط صارم للسيولة. لكن الخوري يحذر من قراءة هذا الاستقرار بمعزل عن سياقه.
فالتضخم، الذي تراجع إلى 14.6% في 2025، يُتوقع أن يرتفع إلى 17.5% في 2026، مدفوعا باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن وأسعار النفط. وتاليا، فإن الاستقرار الحالي هو استقرار في السعر الاسمي للعملة، لا بالضرورة في القدرة الشرائية للمواطن.
ويحذر البنك الدولي من أن هذا التوازن قد ينكسر إذا تراجعت التدفقات الخارجية أو استمرت الصدمات المرتبطة بالنزاع. وفي قراءة الخوري، فإن الاستقرار القائم على الاحتياطيات وضبط السيولة يمكن أن يوفر وقتا، لكنه لا يشكل بديلا عن الإصلاحات التي تمنح الاقتصاد قدرة فعلية على الصمود.

 

القطاع المصرفي... انكماش مستمر
 

تبقى العقدة الأبرز في القطاع المصرفي. فإجمالي الودائع المتبقية في المصارف تراجع من نحو 87.2 مليار دولار في نهاية 2025 إلى نحو 85.3 مليارا في نهاية آذار، ثم إلى نحو 85.2 مليار دولار في نهاية نيسان 2026، في استمرار للمسار الانكماشي منذ 2019، فيما لا يزال التسليف للقطاع الخاص شبه معطل.

وتاليا، لا يرى الخوري أن القطاع المصرفي دخل مرحلة تعافٍ في 2026، بل يواصل الانكماش بوتيرة أبطأ. فالاقتصاد لا يستطيع استعادة دورة ائتمانية طبيعية فيما تبقى المصارف عاجزة عن أداء دورها في تمويل القطاع الخاص والاستثمار.

وقد شكل تعديل قانون السرية المصرفية وإقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي في تموز 2025، ثم إقرار تعديلات رئيسية عليه أخيرا بناء على نصائح صندوق النقد الدولي، خطوات تمهيدية في مسار الإصلاح.

لكن المشكلة الأساسية لا تزال على جبهة تفعيل قانون إعادة الهيكلة المرتبط بإقرار "قانون الفجوة المالية"، الذي يفترض أن يحدد كيفية توزيع الخسائر المقدرة بنحو 72 مليار دولار بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.

من يتحمل كلفة الانهيار؟

من هنا، يجزم الخوري أنه "لا يمكن الحديث عن تعافٍ مستدام قبل حسم إعادة هيكلة القطاع المصرفي والإدارة المالية العامة.
فالفائض المالي لا يكفي، واستقرار سعر الصرف لا يكفي، والنمو المؤقت لا يكفي لاستعادة الثقة، ما دام السؤال الأساسي بلا جواب: من يتحمل كلفة الانهيار؟

ويشير الخوري إلى أن غياب "قانون الفجوة المالية" يبقي كل المؤشرات الإيجابية الأخرى محدودة الأثر، لأن المستثمر والمانح الدولي والمودع ينتظرون وضوحا في كيفية توزيع الخسائر قبل اتخاذ قراراتهم. ومن دون حسم هذه المسألة، يصعب استعادة الثقة بالقطاع المصرفي أو جذب تمويل خارجي جدي.

وفي المحصلة، لا يقرأ الخوري انكماش 2026 كنتيجة منفصلة عن نمو 2025. فالاقتصاد نما عندما ساعدته التحويلات والسياحة والاستهلاك، ثم انكمش سريعا عندما تعرض لصدمة جديدة. وبين الرقمين تتضح الفجوة بين اقتصاد قادر على تسجيل نمو موقت واقتصاد قادر على حماية هذا النمو.