المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الاثنين 23 آذار 2026 17:19:31
في تصعيد جديد يعكس تعقيدات المشهد الدولي، منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران مهلة خمسة أيام، بعد مهلة سابقة قصيرة، ملوّحاً باستهداف مصادر الطاقة في حال عدم الاستجابة.
هذا التحول في الخطاب لا يبدو مجرد تشديد للضغوط، بل يأتي في سياق مواصلة الإدارة الأمريكية سياسة الضغط القصوى على إيران، والسعي لدفعها إلى تغيير سلوكها الإقليمي وبرنامجها النووي. لكن قد يؤشر تمديد المهلة إلى وجود تحركات دبلوماسية خلف الكواليس، تهدف ربما إلى تجنب مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون لها تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية. فالرهان على ضرب مصادر الطاقة الإيرانية يعتبر سيفا ذو حدين. من جهة، هو سلاح فعال اقتصادياً، وقد يضع طهران تحت ضغط داخلي غير مسبوق. لكن من جهة أخرى، يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، بدءاً من ارتفاع أسعار النفط، واضطراب الأسواق، واحتمال توسع رقعة التوتر إلى ما هو أبعد من حدود إيران نفسها وقد يتحول إلى زلزال اقتصادي عالمي.
ومع دخول المهلة الجديدة حيز التنفيذ، تتجه الأنظار إلى ما ستشهده الأيام المقبلة من انفراجات ديبلوماسية أو مجرد محطة في مسار تصعيدي أطول قد يعيد رسم ملامح التوازنات في المنطقة.
وفي قراءة للمشهد المرتقب على ضوء مهلة الخمسة أيام الممددة من قبل ترامب يقول الكاتب والمحلل الجيوسياسي جورج أبو صعب لـ"المركزية" " في الأساس لم تخض واشنطن العمليات العسكرية ضد النظام الإيراني لإسقاطه بل لتطويعه وتغيير سلوكه وقد قال ترامب ذلك منذ اليوم الأول" . ويلفت إلى أن" العمليات العسكرية الأميركية الجارية في المنطقة لا تخضع لأهواء القادة والشعوب. ترامب يملك صلاحية شن عمليات عسكرية ضمن مهلة 60 يوما، وإذا ما تجاوزها عليه العودة إلى الكونغرس للحصول على الإذن بإعلان الحرب . لذلك، فإن ما يجري اليوم ليس "حرباً" بل عمليات عسكرية مركزة يستفيد منها المناهضون للنظام الإيراني في المنطقة من دون أن يعني ذلك استمرار تلك العمليات لخدمة الأخرين أو وفق إراداتهم سواء كانوا حلفاء لواشنطن أم أصدقاء".
وفي هذا السياق، ينبه أبو صعب لأمرين: توقع انتهاء العمليات فور تحقيق واشنطن مصالحها بعيدا من تمنيات ومشاعر المعارضين للنظام الإيراني في المنطقة والداخل الإيراني.والأمر الثاني عدم التزام واشنطن بمهلة الستين يوما الدستورية إذ يمكن للرئيس إعلان انتهاء العمليات غدا او بعد اسبوع طالما ان تقدير أهمية ومنفعة العمليات خاضع لمتطلبات المصالح الأميركية اولا".
مما تقدم، يوضح ابوصعب ان تمديد المهلة ليس إلا مناورة سياسية يقوم بها ترامب بحيث يستفيد منها على ثلاثة محاور: الأول الإيعاز لحلفائه في الناتو أن ما يطلبه من تقديم الدعم له لفتح مضيق هرمز يصب في مصلحتهم مقابل إراحة الأسواق العربية . المحور الثاني انخفاض أسعار الطاقة والذهب منذ اللحظة التي نشر فيها ترامب تغريدة تضمنت خبر تمديد مهلة الإنذار لإيران إلى 5 أيام وهذا يعني أن الخطوة التي قام بها ليست إلا مناورة سياسية ذات أهداف اقتصادية وتجارية. أضف إلى ذلك أن ترامب من خلال قراره هذا يحمل إيران مسؤولية ما ستؤول إليه الأمور. فإذا ذهبت إلى المفاوضات يعني أنها تريد إنهاء الحرب. وإذا رفضت التفاوض خلال الايام الخمسة، تكون لدى ترامب الحجة أمام الرأي العام الأميركي والعالمي وحلفائه في المنطقة وأوروبا للقضاء كليا على إيران".
ويتوقف أبو صعب عند ما قاله ترامب ولم يتنبه له البعض. فقد أعلن أنه" يؤجل الضربات على الطاقة وليس إلغاؤها، مما يعني أن التأجيل محصور بمصادر الطاقة وليس بالأهداف والحرب وستكون النتيجة إنزالا على جزيرتي خرج وكيش اللتين تشكلان منفذاً إيرانياً للطاقة والغاز للعالم.
وحول تهديد إيران بإغراق الشرق الأوسط بالعتمة في حال تنفيذ واشنطن تهديها بضرب مصادر الطاقة، يؤكد أبو صعب أن "هذا الكلام من باب التهويل. صحيح أن إيران قادرة على الإيذاء لكنها ليست قادرة على حسم المعركة لصالحها وفي حال الرد والرد على رد، سنكون أمام مشهد تصعيدي قد تجد اسرائيل واميركا، وبحسب تقديراتهما للواقع الميداني، أنهما مجبرتان للجوء إلى النووي التكتيكي أي شل وضرب وحرق لفترة 10 ايام تدمير بكاملها وليس الاستراتيجي.
يتوقع أبو صعب خلال مهلة ال5 أيام أنه في حال حصلت مفاوضات، فهذا يؤكد أن إيران تفعل عكس ما تعلن عبر وزير خارجيتها الذي ينفي حصول مفاوضات غير مباشرة مع واشنطن في حين تهرول للتفاوض من النافذة التي قدمها لها ترامب.أما إذا انقضت المهلة وربما قبلها ورفضت التفاوض فهذا يعني ان كل الاحتمالات مفتوحة على عودة الحرب وضرب الطاقة الإيرانية وبذلك يكون ترامب برأ ذمته أمام الحلفاء الإقليميين من خلال فتح باب التفاوض أمام إيران ويبلغ الإيرانيين أنه غير مسؤول عما سيصيبهم .
وبين التصعيد والتهدئة، تبقى الأيام الخمسة المقبلة حاسمة في تحديد مسار الأزمة، وسط مخاوف دولية من انزلاق الوضع نحو مواجهة مفتوحة.
والسؤال الحقيقي الذي يُطرح ليس ما إذا كانت الضربة على مصادر الطاقة الإيرانية ستقع، بل إذا كان أي من الطرفين مستعداً لتحمّل أبعادها. وحتى الآن، يبدو أن كلاً من واشنطن وطهران يفضل البقاء في المنطقة الرمادية، بمعنى لا حرب شاملة، ولا سلام فعلياً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي،لأن اللعب على حافة الهاوية لا يتطلب قراراً بالوقوع، ويكفي خطأ واحد فقط. من يقع أولا؟