مهلة تحت النار.. هدنة لبنان اختبار أميركي لمساحة النفوذ الإيراني

تدخل المفاوضات المرتبطة بلبنان مهلة الأسبوعين تحت ضغط إسرائيلي واضح ورعاية أمريكية مباشرة. 


وتضع هذه المهلة المسار اللبناني أمام اختبار سياسي حساس يتجاوز ترتيب وقف النار في الجنوب إلى قياس قدرة التفاوض على إنتاج تسوية ميدانية تحمي الجنوب وتعيد للدولة اللبنانية حضورها في إدارة الملف الحدودي.

يجري ذلك وسط مراقبة أمريكية وإسرائيلية دقيقة لانعكاس هذا المسار على حسابات طهران في لبنان وعلى حدود تأثيرها في مسار التهدئة.

وتشير مهلة الأسبوعين إلى الفترة التي برزت داخل تمديد وقف النار حتى منتصف مايو أيار بعد تضييق الإطار الزمني أمام المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية للوصول إلى تفاهم قابل للتنفيذ حول الجنوب.
وجاءت المهلة في سياق ضغط أمريكي لإبقاء المسار التفاوضي قائمًا وإصرار لبناني على وقف الاعتداءات وحماية السكان وإعادة القرى الحدودية إلى وضع أكثر استقرارًا.

مقياس لاختبار طهران
وتأتي هذه المهلة بعد جولة ثانية من المحادثات في واشنطن مددت وقف النار الذي بدأ في 16 أبريل، في وقت نقلت فيه تقارير إسرائيلية أن تل أبيب ترى التمديد حتى منتصف مايو أيار باعتباره النافذة الأخيرة للوصول إلى اتفاق أكثر ثباتًا مع لبنان، مع التلويح بتوسيع العمليات إذا لم ينتج المسار ترتيبات واضحة في الجنوب. 
ويمنح استمرار الضربات الإسرائيلية، وآخرها الضربات التي أوقعت قتلى من المسعفين في مجدل زون وأصابت جنديين لبنانيين، المهلة طابعًا ضاغطًا؛ لأنها تجري داخل واقع ميداني لا يسمح بفصل التفاوض عن كلفة الحرب اليومية.

وتنظر إيران إلى أي تفاهم لبناني حول الجنوب من خلال أثره على موقع "حزب الله" في معادلتها الإقليمية؛ لذلك يضع نجاح الدولة اللبنانية في تثبيت وقف النار وترتيب الملف الحدودي طهران أمام واقع سياسي أقل ملاءمة لها؛ لأنه يفتح مساحة تديرها المؤسسات الرسمية برعاية أمريكية وضمانات دولية، ويحد من قدرة القوى المرتبطة بها على إبقاء الجنوب ورقة ضغط خارج القرار اللبناني.

ضغط إسرائيل وحسابات واشنطن
تتعامل إسرائيل مع المهلة كمساحة ضغط سياسي وعسكري على لبنان، فهي تدفع باتجاه ترتيبات أمنية مشددة في الجنوب وتربط ضيق الوقت بالتهديد بتوسيع العمليات إذا تعثر المسار.

وتحاول تل أبيب عبر ذلك بناء رواية تسبق أي تصعيد محتمل تقوم على تحميل فشل التفاوض للواقع اللبناني الداخلي وربطه بتأثير "حزب الله" وحسابات طهران، فيما يبقى لبنان معنيًّا بمنع تحويل المهلة إلى غطاء سياسي لاستمرار الاعتداءات أو مدخل لتوسيع الحرب على أرضه.

من جهتها تراقب واشنطن مهلة الأسبوعين كفرصة لاختبار قدرة التفاوض على إنتاج ترتيب لبناني حول الجنوب من دون انتظار تسوية إقليمية مع طهران، فهي تدفع باتجاه تفاهم يثبت وقف النار ويمنح الدولة اللبنانية مساحة أوسع لإدارة الملف الحدودي عبر الجيش وآليات المراقبة.
وتقرأ واشنطن موقف "حزب الله" من هذه الترتيبات كمؤشر على حدود التأثير الإيراني في لبنان، بحيث تتحول النتيجة إلى قياس عملي لمدى قدرة القرار اللبناني على الانفصال النسبي عن الحسابات الإقليمية المحيطة به.

اليوم التالي للمهلة
يحمل فشل المهلة كلفة سياسية جاهزة للاستخدام، فإسرائيل ستقرأه دليلًا على عجز بيروت عن إلزام "حزب الله"، وواشنطن ستتعامل معه باعتباره إشارة إلى محدودية المسار المحلي، و"حزب الله" سيقدمه لجمهوره باعتباره دليلًا على أن التفاوض تحت الضغط يمنح إسرائيل شروطًا إضافية.

أما الدولة اللبنانية فستجد نفسها أمام خطر خسارة فرصة كانت قد تسمح لها بإعادة تثبيت دورها في ملف الجنوب، بما يجعل الموعد مدخلًا إلى معركة رواية حول اليوم التالي.

ويمكن أن تتحول المهلة إلى ذريعة سياسية تستخدمها إسرائيل للقول إن المفاوضات أخذت وقتها، وإن بيروت لم تستطع إنتاج التزام واضح على الأرض. 
في المحصلة، قد تنتهي المهلة إلى تفاهم محدود يمنح الدولة فرصة حركة ويمنح واشنطن دليلًا على إمكانية الفصل الموضعي بين الجبهة اللبنانية والحسابات الإقليمية الأوسع، وقد تنتهي إلى تعثر يفتح الباب أمام تصعيد تستخدمه إسرائيل لتأكيد ارتباط الجبهة اللبنانية بالقرار الإيراني.

وفي الحالتين سيكون لبنان قد كشف شيئًا أساسيًّا عن موقعه الحالي، فهو دولة تبحث عن قرارها وسط سلاح خارج الإطار الكامل للدولة، وضغط خارجي، وحسابات إقليمية تتحرك فوق أرضه.