المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: منير يونس
الاثنين 5 تشرين الأول 2026 13:24:14
زيادات على الرواتب لاحتواء الاعتراضات الاجتماعية، وإعادة توزيع للاعتمادات لامتصاص كلفتها، وعجز لا يزال معلنًا عند مستوى الصفر: مشروع موازنة 2027، الذي أقرّه مجلس الوزراء الخميس، يكرّس الخيارات الأساسية نفسها التي طبعت الموازنات في السنوات الأخيرة. فالدولة تعتزم زيادة الإنفاق على موظفيها وعلى نفقات تشغيلها، من دون تحسّن مماثل في مستوى الخدمات العامة.
وقد وقّع رئيس الجمهورية المشروع اليوم وأحاله في اليوم نفسه إلى مجلس النواب، في اليوم الأخير من المهلة الدستورية. وتبلغ قيمة مشروع قانون الموازنة 615 ألف مليار ليرة لبنانية، أي نحو 6.9 مليارات دولار.
وتحت ضغط التحركات الاجتماعية والنقابية والتهديدات بالإضراب، أدرجت الحكومة في المشروع نفقات جديدة ذات طابع اجتماعي ورواتب. وسيتم تمويلها من خلال إعادة توزيع الاعتمادات، والسحب من الاحتياطي في الموازنة، البالغ 261 مليون دولار، وتحسين تحصيل الضرائب والرسوم القائمة أو المقررة أصلًا في المشروع، من دون الإعلان عن فرض أي ضريبة جديدة.
وفي المقابل، جرى خفض بعض بنود الإنفاق الخاصة بالوزارات والإدارات مقارنة بالمبالغ التي كانت مقررة في الأساس، بهدف إبقائها عند مستوى إنفاق عام 2026.
سياسة أجور متخبطة
يتعلق التنازل الأساسي بموظفي القطاع العام، إذ ستتم زيادة رواتبهم بما يعادل ستة أضعاف الراتب الأساسي. وتبلغ الكلفة المعلنة لهذا الإجراء 31 ألف مليار ليرة، أي نحو 350 مليون دولار. وسيتم تطبيق الزيادة على مراحل: ثلاثة رواتب أساسية إضافية اعتبارًا من بداية عام 2027، وثلاثة أخرى اعتبارًا من آب.
وبالتالي، توفر الزيادة الجديدة دعمًا للموظفين من دون معالجة جوهر المشكلة، إذ إن المبالغ الإضافية لا تُدمج في الراتب الأساسي، فيما أدت الزيادات المتتالية على شكل بدلات خلال السنوات الماضية، بالقيمة الفعلية، إلى خفض الرواتب إلى نحو ثلث مستواها في عام 2019. كما تبقى مسألة تعويضات نهاية الخدمة من دون حل.
والنتيجة أن رواتب الموظفين باتت تستحوذ على 55% من النفقات في الموازنة، ما يزيد من اختلال الموازنة لمصلحة النفقات التشغيلية للدولة.
ويعتبر خبير مقرّب من صندوق النقد الدولي أن «انهيار الأجور الفعلية تتم معالجته من خلال سياسة بدلات اعتباطية وغير عادلة وغير قابلة للاستمرار». ويوصي الصندوق باعتماد سلم رواتب موحّد، وإدماج البدلات في الراتب الأساسي، وربط أي زيادة دائمة بالإيرادات المتاحة والإنتاجية وإصلاح الإدارة، ولا سيما معالجة مشكلة فائض الموظفين.
كما أقرّ مجلس الوزراء مرسومًا يتعلق ببدل النقل للعاملين في القطاع الخاص، قدمته وزارة العمل. وسيعادل بدل النقل قيمة خمسة لترات من البنزين عن كل يوم حضور إلى العمل، على أن يُحتسب استنادًا إلى متوسط السعر الرسمي لصفيحة البنزين سعة 20 ليترًا. وسيتراوح البدل بين 500 ألف و800 ألف ليرة يوميًا، أي نحو 5.6 إلى 8.9 دولارات.
ومن المتوقع أن يطبق نظام مماثل على موظفي القطاع العام، مع بدل قد يكون أعلى قليلًا.
ورُفعت التعويضات العائلية إلى 2.1 مليون ليرة للزوج أو الزوجة، أي 23.4 دولارًا، وإلى 1.16 مليون ليرة، أي 13 دولارًا، عن كل ولد على عاتق الموظف، مع سقف يبلغ 5.8 ملايين ليرة، أي 65 دولارًا، لجميع الأولاد.
ويُطبّق هذا الارتفاع بأثر رجعي اعتبارًا من 1 آذار 2026. أما الفروقات المستحقة عن الفترة الممتدة من آذار إلى أيلول، فسيتم دفعها على دفعات شهرية مع الرواتب، ابتداءً من 1 تشرين الأول.
وفي قرار منفصل يتعلق بالعام 2027، وافقت الحكومة على مشروع قانون لفتح اعتماد إضافي بقيمة 1,450 مليار ليرة، أي 16 مليون دولار، لدعم سائقي النقل المشترك لمدة ثلاثة أشهر. والهدف هو تجنّب رفع تعرفة سيارات الأجرة المشتركة، المعروفة باسم «السرفيس».
في المقابل، لا تزال الضريبة البالغة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين سعة 20 ليترًا، والتي فُرضت في شباط الماضي، سارية المفعول. وكان وزراء «القوات اللبنانية» قد طالبوا بتعليقها. وطلب رئيس الحكومة نواف سلام تشكيل لجنة وزارية لدراسة هذا الطلب وانعكاساته على الإيرادات.
عجز صفري، لكن أعباء خارج الحسابات
لامتصاص النفقات الجديدة، تعتزم الحكومة خصوصًا خفض بعض الاعتمادات المخصصة للوزارات والإدارات لمصلحة بنود أخرى. كما تعتزم السحب من احتياطي في الموازنة يقدّر بـ261 مليون دولار.
لكن يبقى السؤال حول ما ستنتزعه عمليات إعادة توزيع الاعتمادات هذه من الإدارات المعنية، ومدى تأثيرها على قدرتها على القيام بمهامها.
والأهم أن التوازن المعلن لا يعكس، كما في الموازنات السابقة، سوى صورة جزئية عن الوضع المالي للدولة. فالمشروع لا يتضمن بصورة كاملة خدمة الدين التي لا تزال مدفوعاتها معلّقة، ولا المتأخرات المستحقة للمستشفيات وشركات الأشغال والبلديات، ولا الالتزامات تجاه الموردين والمتقاعدين.
ويُضاف إلى ذلك احتياجات إعادة الإعمار، وإمكانية مساهمة الدولة في تحمّل خسائر القطاع المالي.
كما لا تزال الرؤية إلى الحسابات العامة غير كافية. ومرة أخرى، وكما حصل مع جميع مشاريع الموازنات السابقة منذ عام 2003، أُعدّ المشروع من دون قطع حساب للعام 2025، ومن دون نشر وضع تنفيذ موازنة عام 2026.
وبالتالي، سيُطلب من النواب دراسة توقعات مالية جديدة من دون امتلاك كشف كامل بالمبالغ التي جرى تحصيلها وإنفاقها فعليًا.
العبء الضريبي لا يزال يقع على المستهلكين
يعكس هيكل الإيرادات بدوره استمرار الخيارات المالية نفسها. فالضرائب والرسوم غير المباشرة، ومنها ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية والضرائب على المحروقات والرسوم المرتبطة بالمعاملات والإجراءات الإدارية، تمثل نحو 79% من الإيرادات.
وبما أنها تُدفع بغض النظر عن مستوى دخل المستهلكين، فإنها تثقل نسبيًا كاهل الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة الوسطى بصورة أكبر.
في المقابل، لا تمثل الضرائب على الأرباح والدخل والثروة والريع ورأس المال والأملاك العقارية سوى 21% من الإيرادات، في وقت أفرد فيه التقرير الذي أعده صندوق النقد الدولي في تشرين الأول الماضي فصولًا كاملة للحاجة إلى إصلاح ضريبي عميق، يهدف خصوصًا إلى تحميل الأثرياء وأصحاب الأرباح مساهمة أكبر في تمويل الدولة.
وتطرح طريقة التعامل مع المكلفين مشكلة أخرى. فالمشروع يعزز الإجراءات بحق المكلفين المسجلين أصلًا والمعروفين لدى الإدارة، في حين يمنح المتأخرين فرصًا لتسوية أوضاعهم وتخفيضات كبيرة في الغرامات، ما قد يشجع على تأجيل دفع الالتزامات الضريبية.
كما أن التحسن المتوقع في تحصيل الضرائب لا يستند إلى خطة متكاملة لمكافحة التهرب الضريبي والجمركي، تجمع بين الفوترة الإلكترونية وربط البيانات بين الجمارك والإدارة الضريبية والمصارف والسجل التجاري والسجلات العقارية.
وهكذا، يبقى المكلفون الملتزمون الأكثر سهولة في الوصول إليهم من جانب الإدارة، فيما لا تزال أجزاء واسعة من الاقتصاد غير النظامي خارج نطاق التحصيل الفعلي للضرائب.
الاستثمار لا يزال الضحية
على صعيد النفقات، لا يمثل الاستثمار سوى نحو 11% من الموازنة، مقابل نحو 89% للنفقات الجارية، في وقت تحتاج فيه البلاد بصورة كبيرة إلى إعادة الإعمار وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه والنقل.
ويحد ضعف الاستثمار من هامش الإنفاق المتاح لإعادة تأهيل البنى التحتية وتطوير الخدمات العامة، ولا سيما الكهرباء.
كما لا يوضح المشروع بصورة كافية الوسائل الكفيلة بإعادة إطلاق الاستثمار، ودعم خلق فرص العمل، وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة مستدامة.
وبعيدًا من العجز المعلن عند مستوى الصفر، يتمثل التحدي الأساسي إذًا في قدرة الموازنة على توفير هوامش للإنفاق على الاستثمار والخدمات العامة، في اقتصاد تتوقع وزارة الاقتصاد أن ينكمش بنسبة 10% هذا العام.