"ميغا".. تمهيد أميركي لحقبة "ما بعد المرشد" في إيران

يلفت متابعون للشأن الإيراني النّظر إلى ولادة مصطلح "ميغا MIGA" في الخطاب السياسي لإدارة الرئيس دونالد ترامب حول إيران، في إشارة إلى الحراك الشعبي المشتعل في البلاد والذي يعتبره ترامب امتدادا سياسيا وإيديولوجيا لحركة "ماغا MAGA" الأمريكية المؤيدة له. 

لأوّل مرة منذ اعتلائه سدّة الحكم، استخدم الرئيس ترامب عبارة "ميغا MIGA" في حديثه عن المتظاهرين في إيران، حيث كتب في تدوينة على منصة "تروث سوشيال": "أيّها المواطنون الإيرانيون، استمروا في التظاهر وحافظوا على مؤسساتكم، المساعدة قادمة إليكم... "ميغا".

وأفاد المراقبون بأنّ عددا من المتظاهرين المعارضين للنظام الإيراني رفعوا مؤخرا شعار MIGA، وهو مصطلح يختزل الأحرف الأولى من جملة "لنجعل إيران عظيمة مجددا "MAKE IRAN GREAT AGAIN   

وتشير مصادر إعلامية أمريكية إلى أنّ ترامب جدّد استخدام عبارة "ميغا" خلال خطابه مساء أمس في نادي "ديترويت الاقتصادي"، الذي خّصص جزءا كبيرا منه للتطرق إلى الوضع في إيران، حيث اعتبر أنّ النظام تجاوز الخطوط الحمراء وقتل الكثير من المتظاهرين.

علاقة تلازمية بين "ميغا" و"ماغا"

ولا يبدو أنّ اجتراح عبارة "ميغا" وإسقاطها على المشهد الإيرانيّ، مجرد حذلقة لغويّة أو تصنّع اشتقاقي، لا سيما أنّها قريبة جدّا من عبارة "ماغا" MAGA، التي تمثل بدورها تجميعا للأحرف الأولى من عبارة MAKE AMERICA GREAT AGAIN، وقد باتت الأخيرة حراكا سياسيا واسعا شقّ الحزب الجمهوريّ وفكّك بنيته السياسية وافتكّ منه زعامة اليمين في أميركا. 

ويعتبر المراقبون أنّ العلاقة بين "ميغا" الأمريكية و"ماغا" الإيرانية، أكثر عمقا من مجرّد اشتقاق لغويّ، حيث يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى تحويل "ماغا" إلى حركة عالميّة عابرة للأقطار ذات أهداف واضحة واستراتيجيات محددة وخطاب سياسي شبه متطابق.

ويشير المتابعون في هذا السياق إلى أنّ اهتمام ترامب بالشأن الإيرانيّ وتبني مطالب المحتجين الإيرانيين وتهديده الجاد باستخدام القوة العسكرية ضدّ النظام وتعهده بتقديم المساعدة للمتظاهرين، يشير إلى أنّ العلاقة بين ترامب والمتظاهرين في إيران أكثر من التزام بدعم متظاهرين سلميين ضدّ آلة الحرب المستعرة ضدّهم.

5 نقاط مشتركة

في هذا السياق التحليلي، يشير المراقبون إلى وجود عدّة نقاط مشتركة بين الحركة في صبغتها الأمريكية والإيرانية، معددين 5 نقاط كبرى وهي كالتالي: 

النقطة الأولى متعلقة بمحاربة "الدولة العميقة"، فإن كانت "ماغا" الأمريكية تقدّم نفسها كحركة مقاومة للدّولة العميقة وللمؤسسات المترهلة وللبيروقراطية المهترئة، فإنّ "ميغا" الإيرانية هي الانتفاضة على الدولة الدينية العميقة وعلى السلطات الثيوقراطية التي تحكم البلاد منذ 1979 بالحديد والنار.

أمّا النّقطة الثانية فهي مرتبطة بمعاداة "النخب" السياسية والثقافيّة والإعلامية المحلية واعتبارها امتدادا ناعما للدولة العميقة، وهي تقريبا ما تتبناه "ميغا"، من حيث رفضها للمنظومة السياسية والثقافية والأكاديمية والإعلامية الإيرانية، الرسمية منها وشبه الرسمية، وتمثلها لها كجهاز دعاية للمرشد علي خامنئي، وكمنظومة بروباغندا للنظام.

أمّا النقطة الثالثة فتتمثل في فكرة "الإنقاذ" أو التجاوز الراديكالي لمرحلة الضعف والهوان، فإن كانت "ماغا" الأميركية تمثل تجاوزا بنيويا لمرحلة الانكماش والانكفاء الأميركي الذي يعتبر ترامب أنّه بدأ مع باراك أوباما وتواصل مع جو بايدن حيث انسحبت واشنطن من مجالها الحيوي وتقلص دورها في مقابل توسّع أدوار إقليمية ودولية أخرى، فإنّ "ميغا" الإيرانية تمثل قلبا لصفحة نظام الملالي الذي فقدت معه إيران أدوارها الإقليمية الكبرى نحو أدوار طائفية ومذهبية مقيتة. 

وتتجسد النقطة الرابعة في التصوّر "القومي" الخالص دون روافد دينية مؤثرة، فالحركتان تمثلان "وثبة" قومية يمينية، واحدة أمريكية صرفة تعبر عن نفسها في مواقف راديكالية ضدّ المهاجرين والأقليات الدينية، وأخرى فارسية واضحة ترفض أيّ خلط بينها وبين السرديات الدينية.

أمّا النقطة الخامسة فتتمثل في التّصورات الاقتصاديّة، ففيما تعتبر "ماغا" أنّ ترشيد الإنفاق الأمريكي يكون بتعليق الإنفاق على الأذرع الأمريكية الناعمة من منظمات مجتمع مدني وجمعيات حقوقية، فإنّ "ميغا" بدورها ترى أنّ من بين أسباب الأزمات الاقتصادية الإيرانية المتعاظمة الإنفاق غير المحدود على الأذرع الإيرانية في المنطقة، انطلاقا من حزب الله إلى ميليشيا الحوثيين.

وينتهي المراقبون إلى أنّ العلاقة بين الحركتين هي علاقة عضوية وأيديولوجية عميقة، حيث تمثل "ميغا" الإيرانية أوّل نتاج سياسيّ لـ "ماغا" الأمريكية التي تجسّد باكورة أفكار وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

مرحلة "ما بعد المرشد" 
وبناء على كلّ ما سبق، تتضح التصورات الأمريكية الكبرى لـ "إيران ما بعد نظام المرشد"، في حال أفضت التظاهرات المشتعلة إلى سقوط النظام، وهي تصورات مستلة بدورها من التطابق في الرؤى والمقاربات الاستراتيجية بين الحركتين الأميركية والإيرانية.

ووفقا لقراءة المراقبين والخبراء في الشأن الأمريكي، فإنّ النظام الجديد لا بد أن يندرج في صلب الاستراتيجيات الأمنية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية، من حيث تأمينه 4 أهداف كبرى على الأقل.

تضم هذه الأهداف "إنهاء البرنامج الصاروخي والنووي"، و"إنهاء الإيديولوجية الدينية المعارضة لإسرائيل ولأمريكا"، و"تمكين أمريكا من حصة الأسد في النفط والغاز الإيرانيين"، و"الانخراط في الجهد الإقليمي والدولي في القضاء على الميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط".

وتمثل هذه الأهداف مصفوفة من الاستراتيجيات الأميركية العميقة، التي تسعى إلى مزيد تطويق لروسيا والصين، وإضعاف وجودهما ودورهما في منطقة الشرق الأوسط.

ملامح بلا أشخاص
وفي ضوء هذه الأهداف والرؤى الاستراتيجية، يبدو أنّ واشنطن لديها ملامح النظام الإيراني "ما بعد المرشد"، دون أن يكون لها مرشّح واضح أو مجموعة من المرشحين لقيادة المرحلة الانتقالية.

وعلى الرغم من انعدام وجود مرشح أمريكي لقيادة المرحلة، إلا أنّه من الواضح أنّ ترامب له "فيتوات" ضدّ بعض وجوه معارضة الخارج.

وأوردت مصادر إعلامية أمريكية وإسرائيلية أنّ المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف التقى سرا بولي عهد إيران السابق رضا بهلوي المقيم في الولايات المتحدة الأميركية منذ 1979. 

وأشارت القناة 12 الإسرائيلية إلى أنّ اللقاء السري ناقش الاضطرابات في إيران، وأوضح بهلوي لويتكوف رؤيته لما ينبغي على إدارة ترامب فعله حيال إيران. 

وعلى الرغم من عدم استبعاد المصادر الإعلامية الغربية إمكانيّة ترتيب لقاء بين ترامب وبهلوي على ضوء المستجدات السياسية القائمة، إلا أنّها تتوافق أيضا في مستوى التململ الذي يبديه ترامب حياله، وعدم اعتباره كفؤا لقيادة المرحلة الانتقالية في البلاد.

"لطيف ولكن"
وكان ترامب قد استبعد مؤخرا عقد لقاء مع بهلوي، في إشارة واضحة إلى عدم اعتزام إدارته دعم أي بديل سياسي محدد للنظام الإيراني حال انهياره.

وفي مقابلة حوارية قال ترامب: "بهلوي شخص لطيف، ولكن لقائي به بصفتي رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية قد لا يكون مناسبا، أعتقد أننا يجب أن نترك الأمور تسير، ونرى من سيبرز في النهاية".

ويبدو أنّ التقييمات داخل البيت الأبيض تشير إلى عدم وجود بديل سياسي يحظى بالدعم الأميركي وبالشعبية داخل البلاد، فالخيارات متراوحة بين "معارضة يسارية"، ممثلة في مجاهدي خلق، لا تحبذها إدارة ترامب بسبب الطابع الشيوعي والاشتراكي للحركة، وبين معارضة مَلكية مجسدة في بهلوي لا تحظى بدعم شعبي حقيقيّ، وبين معارضات عسكرية كردية وبلوشيّة انفصالية في غرب وشرقي البلاد.

وإلى حين بروز الحصان الرابح الذي قد تراهن عليه في سباق خلافة النظام الإيراني، اختارت واشنطن طرح شروطها ممثلة في حركة "ميغا"، وانتظار من ستفرزه الأحداث من أشخاص وشخوص.