نبيل نحاس في بينالي البندقية: لبنان كما لم نره من قبل

في واحدة من أبرز المشاركات الفنية في الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية 2026، يقدّم الفنان اللبناني نبيل نحاس جناح لبنان بعنوان «لا تسيئوا فهمي»، في عمل يُعدّ من أكثر الأجنحة الوطنية تأثيراً وإبهاراً هذا العام، لما يحمله من رؤية مختلفة للبنان، بعيدة عن الصور النمطية المرتبطة بالحروب والانقسامات.

وسط الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان، اكتسبت المشاركة اللبنانية هذا العام بعداً رمزياً استثنائياً، ما جعل الأنظار تتجه إلى العمل الذي اختير لتمثيل البلاد في هذا الحدث الفني العالمي. وقد نجح نحاس في تقديم مقاربة بصرية تتجاوز السياسة المباشرة والخطابات التقليدية، ليطرح لبنان كمساحة حيّة ومتغيرة من الذاكرة والتاريخ والتفاعل الحضاري.

العمل، الذي أُنجز بالتعاون مع القيّمة الفنية ندى غندور، يتحول إلى فضاء بصري غامر أكثر منه معرضاً تقليدياً. يمتد الجناح على نحو 45 متراً، ويضم 26 لوحة ضخمة معلّقة فوق رؤوس الزوار، بما يخلق تجربة حسية وتأملية تدفع المشاهد إلى رفع نظره باستمرار، وكأنه يتحرك داخل فضاء كوني متحوّل.

ومن خلال هذا التكوين، يعيد نحاس صياغة مفهوم اللوحة الكلاسيكية، محولاً الأعمال المنفصلة إلى عمل واحد متصل تتداخل فيه الأشكال والألوان والرموز من دون بداية أو نهاية واضحة. هنا، لا يظهر لبنان كجغرافيا ممزقة، بل ككائن حي نابض بالحركة، يحمل داخله طبقات من الحضارات والذكريات والتجارب المتراكمة عبر الزمن.

ويستعيد الفنان في هذا المشروع أبرز العناصر التي ميّزت تجربته الفنية طوال العقود الماضية، من أشجار الأرز والزيتون والنخيل التي يعاملها ككائنات حيّة، إلى الدوامات اللونية والتكوينات المستوحاة من الزخارف الإسلامية والفنون الشرقية، وصولاً إلى أعماله التجريدية ذات الطابع الكوني.

وفي فضاء يغلب عليه اللون الأزرق الداكن، تتحول الألوان نفسها إلى مصدر للضوء، فتبدو اللوحات كأنها نجوم معلّقة تنير المكان من الداخل. وبينما تتجاور التأثيرات المستوحاة من التعبيرية الأميركية والفنون الإسلامية والمنمنمات الفارسية وذاكرة الشرق، ينجح نحاس في بناء سردية بصرية عن لبنان بوصفه مساحة تلاقٍ حضاري دائم، لا مجرد بلد يعيش أزماته الراهنة.


ويأتي الجناح ضمن دورة تحمل عنوان «بمفاتيح صغرى»، وهي الرؤية التي وضعتها القيّمة الفنية الراحلة كويو كوو قبل وفاتها، والداعية إلى فن يقوم على التأمل والحدس والإنصات، بعيداً من الخطاب المباشر والاستعراض.

وفي وقت اتجهت فيه أجنحة كثيرة إلى تقديم مقاربات سياسية صاخبة للفوضى العالمية، اختار نبيل نحاس لغة مختلفة تقوم على البطء والجمال والتأمل، مقدّماً عملاً يرى فيه كثيرون صورة للبنان كما لم يُرَ من قبل: بلداً مثقلاً بالجراح والذاكرة، لكنه لا يزال قادراً على إنتاج الجمال والحياة.