المصدر: نداء الوطن
الكاتب: زيزي اسطفان
الجمعة 1 أيار 2026 07:58:07
عمّال لبنان يئنون بصمت أو بأصوات خافتة لا تجد لها صدى في آذان المسؤولين. واقع مأزوم دفعت به الحرب إلى هوّة لا قعر لها فهل من يمدّ للعمّال حبل خلاص؟ أم أن الحال تشي بالأسوأ؟
صدمة العمّال هذه السنة أكثر مرارة من أيّ وقت مضى إذ ما كادوا يلتقطون أنفاسهم بعد حرب إسناد غزة ويلملمون بعض خسائرهم حتى جاءت حرب الثأر لخامنئي لتضيف إلى واقعهم المعيشي الهش أثقالا تهدّد أيّامهم ومستقبلهم.
نحو 1.4 مليون عامل وموظف في لبنان، بينهم 280 ألفًا في القطاع العام، يعيشون اليوم تحت ضغوط هائلة تتجاوز قدرتهم على الاحتمال. فالحرب الأخيرة التي تسبّبت في خسائر تقدر كلفتها بحوالى 5.5 مليارات دولار، والتضخم الذي بلغ 25 % منذ بداية العام وفق ما يشير إليه الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، وأزمة النزوح التي طالت حوالى 1،5 مليون مواطن لبناني ليست كلّها سوى خلفية قاسية لحياة يوميّة تتآكل فيها الأجور تدريجيًا. 70 % من المؤسسات في مختلف أنحاء لبنان تأثرت بواقع الحرب فعمدت إمّا إلى صرف عمّالها أو بادرت إلى تقليص الرواتب حتى النصف، والبطالة التي كانت نسبتها قبل الحرب 36 % ارتفعت بعده ما بين 43 و 45 % وفق أرقام الاتحاد العمالي العام.
أرقام مقلقة تكشف صعوبة الأوضاع التي يمرّ بها عمّال لبنان. وكانت قد سبقتها ضريبة 300000 ليرة المباشرة التي فرضتها الحكومة على صفيحة البنزين والتي أثرت بشكل مباشر على العمّال وتحوّلت إلى عبء يوميّ يرافقهم في تفاصيل حياتهم.
تتحرّك نقابات العمّال ولكن في ظلّ أوضاع الحرب تبقى الحركة محدودة. أمّا الوزارات المختصة فتبدو غارقة في عجز مالي وتخبّط إداري يحدّ من قدرتها على التجاوب مع معاناة العمّال.
تلخص نقابات عمّال لبنان لـ "نداء الوطن" مجموعة الصعوبات التي يعانيها العمّال. وتتجسّد أوّلا بالصرف التعسفي الذي تمارسه بعض المؤسسات بحجة الحرب والظرف الاقتصادي القاهر دون دفع أي تعويضات للمصروفين. ورغم أن التبرير قانونيّ إلا أن ثمة مؤسسات تستغلّ هذا الظرف لطرد مستخدميها الذين ساهموا في تراكم أرباحها أيام السلم بدل أن تقف جنبهم أيام الحرب. ورغم أن داتا المصروفين من عملهم لم تتأكد بعد، إلا أن 2500 حالة مراجعة في هذا الموضوع تمّت مع النقابات لا سيّما في قطاع شركات مقدّمي الخدمات في كهرباء لبنان كما في شركة ليبان بوست في الجنوب وفي القطاع الصناعي خاصة في الصناعات الغذائية.
يخسرون مصدر رزقهم
وما يفاقم أزمة الصرف التعسفي غياب وزارة العمل ومجالس العمل التحكيمية التي كانت تلعب دورها في البت في النزاعات بين العمّال وأرباب العمل. فوزارة العمل اليوم "نازحة" ولم تعد إلى مقرها الرئيسي في الشياح. أما مجالس التحكيم فحدث ولا حرج، إذ إن 16000 شكوى كانت متراكمة فيها منذ تشرين 2019 حتى آذار 2023 وبعد هذا التاريخ لم يبت في أي شكوى مطلقًا، وذلك لأسباب عدة، منها أن مفوّضي الحكومة لدى هذه المحاكم لا ينالون أكثر من مئة ألف ليرة كبدل انتقال ما دفع بكثيرين منهم إلى التمنع عن الحضور إلى المحاكم.
أمّا انعكاس غياب مجالس التحكيم على واقع اليوم فكارثي، إذ إن القانون يفرض تسجيل شكوى العامل في غضون شهر من صرفه من عمله وإلا يموت حقه. ولكن كيف يتقدّم العمال المصروفون بشكوى اليوم وهم لا يعرفون أين يقدّمونها وإلى من؟ لا سيّما أن مجالس العمل التحكيمية في صيدا وصور والنبطية مقفلة أو لم يعد لها وجود بحيث بات العامل الذي خسر وظيفته لا يواجه فقط مسألة انقطاع الدخل، بل أيضًا انسداد سبل الإنصاف، فيتحوّل الصرف التعسّفي من قضية قابلة للطعن إلى واقع مفروض لا مخرج منه.
إلى الصرف التعسفيّ، يضاف واقع أليم مرتبط مباشرة بالأعمال العسكرية والعدوان الإسرائيلي وفق نقابات عمال لبنان. فهذا الواقع أثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي في الجنوب ومن يعتاش منه من عمال، بعد فقدان مواسم واحتراق أشجار، إضافة إلى تعثر الثروة الحيوانية من تربية أغنام وأبقار ونحل وصيد أسماك، وانعكاس كل ذلك على الصناعات الغذائية المرتبطة بقطاعي الزراعة وتربية المواشي، لا سيّما أن معظم المؤسسات الصناعية والتجارية في لبنان لا سيّما في الأطراف، هي مؤسسات صغرى أو متوسطة تتأثر بسرعة بالأوضاع الاقتصادية.
من جهة أخرى، ساهمت الحرب وبشكل مقصود، في تدمير ممنهج للأسواق التجارية سواء في الجنوب أو بعلبك والضاحية وحتى بيروت، ما ساهم في ضياع مصادر رزق لعدد كبير من العمال والمستخدمين وفقدان فرص العمل وازدياد البطالة. وأدّى النزوح إلى فقدان مئات وآلاف العمال، الذين يعتمدون على المهن الحرة البسيطة والاقتصاد غير المنظم كالسمكري والدهان وميكانيكي السيارات ومن شابههم، عملهم اليومي وبالتالي خسارتهم مصدر رزقهم. كما أدّى انعكاس الحرب على القطاع السياحي إلى إقفال أو تعثر الكثير من المؤسسات السياحية وصرفها عمّالها.
انهيار قيمة الرواتب
ليس فقدان الأعمال وحده ما يترك آثاره السلبية على العمال، فانهيار القيمة الشرائية للأجور بسبب الغلاء هو العبء الثاني الذي يثقل كواهل هؤلاء. فضريبة البنزين تحوّلت إلى كرة ثلج ارتفعت معها كلفة النقل وأسعار السلع والمواد الغذائية والإيجارات، بحيث بلغ التضخم نسبة 25 %، ملتهمًا بذلك القيمة ذاتها من الأجور التي لم تعد تتعدّى في كثير من الأحيان الحدّ الأدنى ولا تتجاوز قيمتها 300 دولار. وإلى التضخم، يضاف جشع التجار وأصحاب المؤسسات الذين سعوا إلى تعويض خسائرهم من جيوب الناس الفقراء من عمّال ومستخدمين.
في القطاع العام، لا يبدو المشهد أقلّ قسوة. فحتى الرواتب الستة التي أُقرّت كمحاولة للتخفيف من وقع الأزمة، لم تُصرف بعد بسبب الصعوبات المالية التي تواجهها الحكومة، ما دفع عددًا من القطاعات إلى إعلان إضرابات تحذيرية، من بينها أساتذة المدارس الرسمية وبعض موظفي القطاع العام مثل دوائر النفوس وغيرها. حتى بدل النقل الذي أقرّ بـ 450000 ليرة بات بلا قيمة فعلية والمطالبة اليوم بإعطاء 5 ليترات بنزين يوميًا بدلا منه.
ويبقى العامل الآخر المتسبّب في إرهاق عمال لبنان، وهو غياب منظومة الحماية الاجتماعية وضعف تقديمات الصناديق الضامنة من ضمان اجتماعي وتعاونية موظفين وحتى شركات تأمين، بحيث لم تعد هذه التقديمات تتلاءم مع كلفة الطبابة والاستشفاء، وبات الفارق بينهما كبيرًا. وصارت أولوية وزارة الصحة، التي كانت تتولّى على حسابها كلفة استشفاء بعض الفئات الفقيرة، وفق نقابات العمال وبسبب الأحداث الطارئة، تغطية إصابات الحرب، وأجّلت قبول الحالات الباردة وحتى الأمراض السرطانية، فبات يطلب إلى المرضى تأمين جزء من كلفتها، ما جعل الفئات الفقيرة من عمال ومستخدمين غير قادرة اليوم على الحصول على طبابة لائقة. أما في ما خصّ الضمان الاجتماعي، فثمة مشكلة إضافية تتجلّى في طلب أوراق من المضمونين يجب تأمينها من المؤسسات التي تستخدمهم لإنجاز معاملاتهم فيما باتت هذه المؤسسات مدمّرة أو مقفلة أو نازحة.
فهل بات لبنان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد؟ أم أن الحلول الترقيعية ستبقى هي المتحكمة بمصير العمال وحياتهم؟