نعيم قاسم...كاد يتحوّل إلى كائن كاريكاتوري!

أطلق الأمين العام لـ "حزب اللّه" الشيخ نعيم قاسم نيران خطابه العشوائية في كلّ الاتجاهات فأصابت "الأصدقاء" قبل الأعداء... وتطايرت مصطلحات الشتيمة والتهديد والتخوين لتطول كلًّا من رئيس الجمهورية جوزاف عون مرورًا برئيس الحكومة نواف سلام، مع التركيز تهديدًا وترهيبًا على وزير الخارجية يوسف رجّي وصولًا إلى كلّ من يدعو إلى قيام الدولة، فلم يبخل برمي كلّ مصطلحات الزعرنة والتشبيح "من ورا اللفتة" و "طويلة على رقبتكم" إلى "لن يبقى حجر على حجر".

يتوهّم نعيم قاسم أنه إذا رفع عقيرته بالشتائم، فإنه يكتسب الهيبة والرهبة في عيون بيئته وتجاه المجتمع اللبناني، لكنه كلّما أغرق في هذا المسار خسر مزيدًا من الوزن، حتى كاد يتحوّل إلى كائن كاريكاتوري يُضرب به المثل على الهُزال السياسي وعلى العجز عن ملء الفراغ القياديّ بعد اغتيال سلفه وما كان يمثله من ثقل استُخدم لإرهاب الخصوم وإخضاع المتمرّدين من البيئة وإغراء القابلين للانحراف كما حصل مع التيار العونيّ.

واقع الحال أن قاسم ظن أن تراجع احتمالات الضربة لإيران يسمح له بـ "نفش ريشه" واستعراض صراخه على اللبنانيين وعلى العرب والغربيين، متوهّمًا أنه يستطيع تأبيد سلاحه وفق صفقة مع تل أبيب وواشنطن بعد أن أعلن في خطاب سابق الأمان لسكان المستوطنات، وتسليمه بسحب السلاح جنوب الليطاني، لكن أحدًا لم يُعِر قاسم الاهتمام ورغم وجود بعض القنوات الالتفافية للتواصل معه، والزعم بتلقيه عرضًا أميركيًا للتفاوض المباشر، غير أن كلّ هذا لا مكان له في الفعل السياسي، والدليل على ذلك هذا الانفجار الكلاميّ الذي أطلقه قاسم يوم السبت مُرعِدًا ومُزبِدًا من دون أن يخيف أحدًا، فلا رئيسا الجمهورية والحكومة أقاما له الاعتبار، ولا وزير الخارجية تراجع عن تصعيده السياديّ وتثبيته أداءً دبلوماسيًا لم يعرفه اللبنانيون منذ عقود.

وبغض النظر عن تفاصيل ما جرى في بلدة كفرحتى من إشكال بين عناصر من حركة "أمل" و "حزب اللّه" من حيث التوقيت، فإن الخلفية واضحة، حيث يواصل "الحزب" إخفاء الأسلحة والذخائر في منازل خاصة ومناطق سكنية، ما يشكّل دليلًا إضافيًا على أن السلاح لم يُنزع من جنوب الليطاني بالكامل بعد، وهذا يوجب على الدولة والجيش اللبناني حماية المواطنين ونهي "الحزب" ومنعه من تخزين الأسلحة داخل الأحياء السكنية.

يخشى "الحزب" من ضربات إسرائيلية في مناطقه، ولذلك يواصل تخزين الذخيرة في مناطق تابعة لحركة "أمل"، واضعًا مجتمع "أمل" عن سابق قرار في دائرة الخطر، وهذا يشعل الصراع بينهما ويعرِّض المجتمع الشيعيّ بأكمله في لبنان للخطر، وسط محاولات من "أمل" للتمايز عن "الحزب".

عبّر عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب قاسم هاشم تعليقًا على تصعيد خطاب الشيخ نعيم قاسم بالقول إن "المرحلة الصعبة في الداخل والمنطقة تستدعي الهدوء والعقلانية للقدرة على حماية لبنان"، مشيرًا إلى أن "المطلوب اليوم هو اللغة الهادئة والتعاطي مع كلّ ما يخدم لبنان ويحميه لا سيّما في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي عليه".

ولعلّ الأخطر في خلق هذا المناخ التصعيديّ ما سرّبته أوساط "الثنائي الشيعي" أن "حزب اللّه" أعلن عبر مواقف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم السبت الماضي نهاية مرحلة الصبر الاستراتيجي، وإعادة تثبيت حق الردّ في أيّ وقت، وبأيّ شكل تفرضه التطوّرات. لكن موقفه لا يصبّ في إعلان الحرب بل هو نوع من المواجهة مع الرئاستين الأولى والثالثة. وحسب الأوساط، فإنه بعد خطاب الشيخ قاسم، بات الموقف مختلفًا عن المرحلة السابقة، مع القول إن "حزب اللّه" لا يريد إسقاط الحكومة ولا يريد حربًا، ولكن إذا فشلت الحكومة في حماية المقاومة واستمرّت في أدائها وسكوتها على تصرّفات وزير الخارجية، فإن إسقاطها مطروح على الطاولة، فيما لو استمرّ العدوّ بعدوانه، فإن "حزب اللّه" قد لا يستمرّ بالصمت طويلًا.

يعلن "حزب اللّه" بوضوح أنه عند الوصول إلى استحقاق حصر السلاح شمال الليطاني، فإنه سيكرّر انقلابه وعمله لإسقاط الحكومة، ما يعني عمليًا تحويله إلى قوات احتلال للبنان، وهذا سيؤدّي إلى اعتباره قوة احتلال مع تجريم أي شخصية تغطيه في المناصب الرسميّة، كما يبيح إنشاء مقاومة متعدّدة الأوجه لإزالة احتلاله المدعوم من الحرس الثوري في لبنان، فهل هذه هي الحرب الأهلية التي يهدّد بها محمود قماطي اللبنانيين؟

الأكيد أن الظروف تغيّرت وأن اللبنانيين لم يعد يخيفهم صراخ العاجزين عن حماية أنفسهم، وكلّ آتٍ قريب وفق معادلة صفر خوف من "حزب" جبان أمام العدو لن يرضى اللبنانيون أن يستقوي عليهم بعد الآن.