المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ماريانا الخوري
الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026 07:29:47
عاد الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم واتهم الحكومة بتسليم لبنان لإسرائيل لمجرّد طرحها مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، محذرًا من أن ذلك قد يقود إلى حرب أهلية. واختار قاسم التصعيد المباشر ضد وزير الخارجية يوسف رجّي، متهمًا إياه بالتلاعب بالسلم الأهلي، وبأنه ضد العهد والحكومة والشعب اللبناني والمقاومة، وبأنه عطّل الدبلوماسية ويريد أخذ لبنان إلى حرب أهلية. ولم يكتفِ بذلك، بل طرح حلّين صريحين: "إما تغييره، أو إسكاته". وهنا، لم يعد الكلام مجرّد موقف سياسي، بل تحوّل إلى تهديد مباشر، يضع صاحبه في موقع الوصيّ على الدولة والمؤسسات.
المفارقة الصارخة أن من يتهم غيره بالتحريض على الفتنة، هو نفسه من لوّح بها مرارًا. لن ينسى اللبنانيون عبارة نعيم قاسم الشهيرة: "سنخوض معركة كربلائية لإبقاء السلاح". عبارة تختصر عقيدة سياسية كاملة.
فكيف يمكن لمن يربط بقاء السلاح بمعركة مصيرية، أن يتهم وزيرًا يعمل ضمن الأدوات الدبلوماسية بجرّ البلاد إلى حرب أهلية؟ وكيف يصبح الكلام خطرًا، فيما التهديد يُقدَّم كحق مشروع؟
الوقائع القريبة تجيب. أحداث الطيونة لم تكن حادثًا عابرًا ولا سوء تفاهم. كانت مثالًا حيًا على كيف يمكن للسلاح المنفلت، أن يعيد اللبنانيين خلال ساعات إلى مشهد الحرب الأهلية. يومها، لم يكن الخطر في تصريح سياسي أو موقف دبلوماسي، بل في مشهد المسلحين في الشوارع، وفي تحويل الخلاف السياسي إلى استعراض قوة.
من هنا، يبرز سؤال أساسي: من الذي يعبث بالسلم الأهلي فعلًا؟ من يعمل ضمن مؤسسات الدولة، أم من يحتفظ بسلاح خارجها ويذكّر الجميع بقدرته على استخدامه؟
الوزير يوسف رجّي، معروف بثقافته، وخلفيته الدبلوماسية، وعمله ضمن منطق الدولة والعلاقات الدولية. لم يهدّد يومًا بحرب، ولم يقل "إما أنا أو الفوضى". في المقابل، تاريخ نعيم قاسم السياسي هو جزء من مسار حزب أدخل لبنان في حروب لا قرار وطنيًا فيها، وراكم عزلة سياسية واقتصادية، وربط مصير البلاد بصراعات إقليمية لا قدرة للبنان على تحمّل كلفتها.
وفي هذا السياق، لم يعد خطاب التهديد مسألة سياسية فقط، بل بات قضية قانونية وأمنية. ففي حديث مع "نداء الوطن"، قال رئيس حركة التغيير إيلي محفوض إن الشكوى المقدّمة ضد نعيم قاسم لم تُحرَّك حتى الآن من قبل القضاء، مشيرًا إلى أن أعضاء الجبهة السيادية وعددًا من النواب والشخصيات السياسية سيعقدون اجتماعًا قريبًا للتباحث في سبل تحفيز القضاء وتحريك الدعوى، على أن تُعلَن خطوات لاحقة في هذا الإطار.
وأضاف محفوض: "نستغرب صمت الدولة، إذ لم تصدر حتى اليوم أيّ مواقف أو ردود عن أيّ مرجعية رسمية"، معتبرًا أن هذا الصمت يطرح علامات استفهام كبيرة حول دور المؤسسات في حماية السلم الأهلي.
وأشار محفوض إلى أن هامش المناورة لدى "الحزب" بات ضيّقًا، لافتًا إلى أنه، إلى جانب الضرر الحدودي الذي طاله بعد سقوط النظام، تراجعت حركة ضخ الأموال من إيران إلى الحدّ الأدنى، موضحًا أن التمويل لا يزال قائمًا، لكن بوتيرة محدودة جدًا مقارنةً بالسابق. وأضاف أن الحزب "أصبح شبه معزول سياسيًا وشعبيًا، إذ لا يحظى بدعم درزي أو سني، ولا حتى شيعي جامع، في ظلّ اتساع دائرة المعارضين من داخل البيئة الشيعية نفسها"، متوقفًا عند الجدّية الأميركية المتزايدة في ما يتعلّق بحصر السلاح بيد الدولة.
ولفت محفوض إلى أنه للمرة الأولى، تصف أعلى مرجعية في الدولة، أي رئيس الجمهورية، "حزب الله" بـ "الجماعات المسلحة"، ما يشكّل نزعًا رسميًا لشعار "المقاومة"، معتبرًا أن هذه المؤشرات مجتمعة تدلّ على اقتراب نهاية دور "الحزب" والحل الأنسب له هو اللجوء إلى الفوضى وجرّ البلاد إلى حرب أهلية.
وختم محفوض بالتأكيد أن الأجهزة الأمنية في حالة جهوزية، وأن عيونها مفتوحة على أي محاولة لإحداث خلل في الداخل، مشددًا على أن المرحلة المقبلة لن تسمح بتكرار سيناريوات الفوضى السابقة.
أمام كل ذلك نقول للشيخ قاسم: "بدنا نروق وبدنا نهدأ، كثير مش شوي". لأن المعادلة تغيّرت ولبنان بدأ يستعيد فكرة الدولة وزمن "الدويلة" التي تعلو فوق الدولة بدأ يتآكل.