نعيم قاسم يُدير البندقيّة إلى الدّاخل

منذ اللحظة التي شاع فيها أنّ اتّفاقاً وشيكاً بين إيران والولايات المتّحدة بات قاب قوسين أو أدنى من الإعلان، وقد يشمل لبنان ضمن ترتيبات إقليميّة أوسع لوقف الحروب المفتوحة، بدا أنّ مساعد قائد فيلق القدس للتخريب اللبناني الشيخ نعيم قاسم قرّر أن يُدير بندقيّته من الجنوب إلى الداخل اللبنانيّ.

لم يكن خطاب قاسم في ذكرى “عيد المقاومة والتحرير” استعادة لوقائع عام 2000 وحسب، بل محاولة استباقيّة للهروب من لحظة سياسيّة تبدو فيها الهزيمة أكثر حضوراً من أيّ وقت مضى في خطاب “الحزب” وموقعه. هكذا تحوّل الحديث عن “السيادة” إلى تهديد بإسقاط الحكومة التي جاءت عبر المؤسّسات الدستوريّة، وهو تهديد ردّ عليه وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو باعتباره انقلاباً على الشرعية اللبنانية.

لكنّ الأهمّ من الردّ الأميركيّ كان ما كشفه خطاب الشيخ قاسم نفسه من أنّ الرجل لا جديد عنده يقرؤه على اللبنانيّين غير قاموس سلفه السيّد حسن نصرالله، اللهمّ إلّا الحديث عن المُسيّرات الانقضاضيّة. لم يتحدّث كقائد حزب لبنانيّ يخوض أزمة داخليّة، بل كمتحدّث باسم محور كامل. لم يترك شاردة أو واردة إلّا وقاربها من منطق حزبه التابع لإيران: فلسطين، البحرين، الاتّفاق الأميركيّ ـ الإيرانيّ، “القرض الحسن”، حصريّة السلاح، التفاوض مع إسرائيل، شكل الدولة، وحتّى تعريف الشعب نفسه. كان لبنان في الخطاب جبهة ضمن جغرافية عقائديّة أوسع، لا دولة لها تناقضاتها الداخليّة وتعقيداتها الخاصّة.

الشيخ قاسم، وفي مفارقة لا تخلو من السخرية السوداء، برّر دعوته إلى إسقاط الحكومة بأنّها “حقّ أصيل للشعب”، من دون أن يحدّد بدقّة مَن هو هذا الشعب الذي يتحدّث باسمه. إذا كان المقصود عموم اللبنانيّين، فإنّ المزاج العامّ في البلاد منذ اندلاع الحرب الأخيرة لم يكن مؤيّداً لاستجلاب مواجهة جديدة مع إسرائيل تحت عنوان “الإسناد” أو “الثأر” لمحور إقليميّ تقوده طهران. اللبنانيّون الذين أنهكتهم الانهيارات الاقتصاديّة والهجرات والفقر لم يروا في الحرب سوى استكمال لمسار الانهيار.

أمّا إذا كان المقصود جمهور “الحزب” وبيئته، فإنّ هؤلاء أنفسهم يعيشون اليوم في الشوارع وبين الركام والانتظار: ينتظرون العودة إلى منازلهم في الجنوب والضاحية الجنوبيّة لبيروت، وينتظرون تعويضات وإعادة إعمار لا يبدو أنّ أحداً يملك مفاتيحها.

“المقاومة” حين تتحوّل إلى بنية سلطويّة

في ظاهر الخطاب، كان الشيخ قاسم يستعيد سرديّة “عيد المقاومة والتحرير” عام 2000، لكن في عمقه كان يدافع عن شيء آخر تماماً: عن بقاء البنية التي أنتجتها “المقاومة” خلال العقود الماضية. هنا تكمن المعضلة الكبرى التي تعيشها حركات التحرّر حين تنتقل من موقع “المقاومة” إلى موقع السلطة أو إلى موقع القوّة التي تعلو على الدولة.

تولد حركات التحرّر في بداياتها بوصفها وعداً جماعيّاً بالأفق: تحرير أرض، استعادة كرامة، وبناء وطن. لكنّ هذه الحركات، حين تتجذّر عسكريّاً واجتماعيّاً، تبدأ تدريجاً بالتحوّل إلى نظام مغلق، أي لا تعود ترى نفسها خياراً سياسيّاً بين خيارات متعدّدة، بل الحقيقة الوحيدة الممكنة. عندها لا يصبح السلاح أداة مقاومة فحسب، بل مصدر الشرعيّة الكامل، وتصبح مساءلته مساوية للخيانة.

هذا ما بدا واضحاً في خطاب الشيخ قاسم. كلّ نقاش في “حصريّة السلاح” جرى تقديمه بوصفه مشروعاً إسرائيليّاً ـ أميركيّاً لإبادة المقاومة. كلّ محاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانيّة تحوّلت، في منطقه، إلى تواطؤ مع العدوّ. هكذا لم يعُد “الحزب” يتحدّث عن نفسه بوصفه جزءاً من التعدّد اللبنانيّ، بل بوصفه التعبير الأعلى عن لبنان الحقيقيّ، فيما يُختزل الآخرون إلى أدوات ضغط خارجيّ أو إلى سلطات ضعيفة فاقدة للشرعيّة الوطنيّة.

لبنان بوصفه ملفّاً إيرانيّاً

في أكثر المقاطع دلالة، أعاد الشيخ قاسم نسب “التحرير” إلى مرجعيّة إيرانيّة صريحة، وتحديداً الإمام الخمينيّ، بما جعل “عيد المقاومة والتحرير” يبدو أقرب إلى احتفال عقائديّ بمحور إقليميّ منه إلى مناسبة وطنيّة لبنانيّة. لم يكن الجنوب اللبنانيّ في الخطاب أرضاً تحرّرت باسم الدولة اللبنانيّة، بل جبهة متقدّمة في مشروع سياسيّ ـ دينيّ عابر للحدود.

في الوقت نفسه، هاجم الشيخ قاسم الدولة اللبنانيّة بعنف غير مسبوق، متّهماً إيّاها بالخضوع للوصاية الأميركيّة، وبالتفكير في تجريد “المقاومة” من سلاحها خدمة لإسرائيل. لكنّ المفارقة الكبرى أنّ “الحزب” الذي يهاجم “الوصاية الخارجيّة” لا يرى أيّ تناقض في ربط مصير لبنان عضويّاً بالمشروع الإيرانيّ.

ربّما أكثر ما كشف أزمة “الحزب” هو دفاعه المستميت عن “القرض الحسن”. ليست المؤسّسة التي جرى تقديمها بديلاً اجتماعيّاً عن الدولة سوى التعبير الأكثر وضوحاً عن انهيار الدولة نفسها. حين يتحوّل تنظيم عقائديّ ـ عسكريّ إلى مصرف ومدرسة ومستشفى وجهاز إعمار، فهذا لا يعني فقط قوّته، بل يعني أيضاً أنّ الدولة اللبنانيّة فقدت وظائفها الأساسيّة. لكنّ هذه القوّة تحمل تناقضها في داخلها، فكلّما تمدّد “الحزب” داخل المجتمع والدولة، صار أكثر خوفاً من أيّ تغيير سياسيّ قد يهدّد هذه البنية الواسعة التي بناها.

حين تتحوّل لغة التّحرير إلى لغة خوف

كان يمكن سماع الخوف أكثر من سماع الانتصار في مكان ما من الخطاب. صحيح أنّ الشيخ قاسم تحدّث عن “التحرير الثالث” و”بداية زوال إسرائيل”، لكنّ معظم كلمته كان دفاعاً عن البقاء: لا تنزعوا السلاح، لا تغيّروا المعادلة، لا تمسّوا البنية الاجتماعيّة والماليّة لـ”الحزب”، لا تفاوضوا خارج شروطنا، لا تعيدوا تعريف الدولة، وهنا بدت لغة الخوف.

ماذا يعني أن تتحوّل لغة التحرير نفسها إلى لغة خوف؟

يعني أنّ الحركة التي وُلدت لكي تفتح التاريخ، بدأت تخشى التاريخ نفسه. ربّما لهذا بدا خطاب الشيخ نعيم قاسم خطاب قوّة تخشى التسويات أكثر ممّا تخشى الحرب. تمنح الحروب الحركات العقائديّة سبباً دائماً للبقاء والتعبئة، وأمّا التسويات فتطرح السؤال الذي تخشاه كلّ البنى المغلقة: ماذا بعد؟

أخطر ما تواجهه حركات التحرّر ليس الهزيمة العسكريّة، بل لحظة اكتشاف أنّ التاريخ الذي صنعته بدأ يطالبها بأن تتحوّل إلى شيء آخر. في لبنان اليوم، يبدو أنّ “الحزب” يقف تماماً أمام هذه العتبة: بين ذاكرة التحرير ومنطق البقاء، بين حلم الدولة وخوف السلاح، وبين بندقيّة حرّرت الجنوب يوماً وبندقيّة انعطفت الآن نحو الداخل لأنّ المستقبل نفسه صار يبدو أكثر تهديداً من الحرب.