المصدر: المدن
الكاتب: رنا البايع
الأحد 4 تشرين الأول 2026 09:21:33
لم تبدأ أزمة النفايات في طرابلس مع تكدّس الأكياس في الشوارع. بدأت يوم كان واضحًا أن المطمر المؤقّت يقترب من انتهاء قدرته الاستيعابية، من دون أن يكون البديل قد تجاوز مرحلة الاقتراحات إلى التنفيذ. ومع بلوغ المطمر قدرته الاستيعابية وتوقّف شركة "لافاجيت" عن رفع النفايات لعدم وجود موقع متاح لطمرها، وجدت مدن اتحاد بلديات الفيحاء نفسها أمام سؤال لا يحتمل التأجيل: أين ستذهب أكثر من 400 طن من النفايات يوميًا؟
في غياب جواب عملي، لجأت بلدية طرابلس إلى الخيار الأكثر إثارة للجدل: إعادة جمع نفايات المدينة ونقلها إلى المطمر المغلق، رغم عدم وجود إذن قانوني بفتحه. القرار، وفق المعنيين، جاء لتفادي تراكم النفايات في الشوارع، بعدما تعذّر تأمين موقع بديل.
وكانت "لافاجيت" قد أوقفت الجمع مؤقتًا، إلا أن عقدها، الممتد لفترة تتراوح بين أسبوع وعشرة أيام، يفرض عليها العودة إلى العمل بناءً على قرار البلدية، وفق مصدر بلدي حضر الاجتماع الذي جمع رئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل زمرلي وأعضاء بلدية طرابلس في نقابة المهندسين.
وفي موازاة ذلك، تعثّرت محاولات الهيئة العليا للإغاثة لنقل النفايات إلى مكبّ "سرار" في عكار. أما فتح المطمر المغلق، فيصطدم برفض إدارة مجلس الإنماء والإعمار، التي تشترط موافقة الاستشاري المشرف عليه.
ومع ذلك، مضت البلدية في خيارها، مستندةً إلى تقييم الاستشاري الخاص بها، الذي يؤكد أن المطمر قادر على استيعاب النفايات لمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر على الأقل، يقول للمدن المصدر نفسه.
المشهد، إذاً، يتجاوز أزمة جمع ونقل نفايات. فطرابلس تنتج، مع مدن اتحاد بلديات الفيحاء، أكثر من 400 طن يوميًا، بينها أكثر من 100 طن تأتي من خارج المدينة، فيما انتهت القدرة الاستيعابية للمطمر ولم يصبح الموقع البديل جاهزًا بعد. وتحاول البلديات شراء مزيد من الوقت، فيما يبقى السؤال الأساسي معلّقًا: ما الخطة التي ستمنع عودة الأزمة بعد شهرين أو ثلاث؟
خطة غير مطابقة للأصول
لم تكن أزمة النفايات في طرابلس مفاجئة للمعنيين. فرئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل زمرلي أشار إلى أن الاتحاد كان على علم، منذ رأس السنة، باقتراب المطمر من بلوغ قدرته الاستيعابية، وكان يفترض أن يكون الموقع البديل جاهزاً قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
وفي ظل تعثّر الخيارات المطروحة، أعلن زمرلي اضطرار الاتحاد إلى إعادة فتح المطمر، مؤكدًا أن التواصل جارٍ مع مجلس الإنماء والإعمار لضمان أن تتمّ العملية وفق الأصول القانونية، موضحًا أن الاتحاد بحث في حلول عدّة، إلا أنها تعثّرت جميعها بسبب الحاجة إلى تمويل غير متوافر، وموقع غير موجود، وقرار، فيما "الوقت ليس حليفنا".
وأفاد مصدر في بلدية طرابلس لـِ "المدن" بأن قرار إعادة فتح المطمر يأتي في إطار الضغط على الحكومة ووزارة البيئة للتوصل إلى حل دائم للأزمة. وأكّد المصدر أن أرض المطمر مملوكة للبلدية، ما يمنحها الحق القانوني في إدارة شأنه، مشيراً إلى أن بلدية الميناء قامت بكسر قفل المكب وإلقاء نفاياتها المتراكمة فيه.
عبء نفايات "الجوار"
تدخل يومياً إلى طرابلس نحو 100 طن من النفايات القادمة من خارجها، ما يُضاعف حدة الأزمة ويتسبب بتراكم المكبات في الشوارع. وفي هذا الإطار، انتقد مدير عام شركة "لافاجيت" في طرابلس، العميد سعيد الرز، في حديث لـِ "المدن"، غياب المراقبة والمتابعة الجدية من البلديات والأجهزة المعنية ضبطاً لهذه المخالفات.
وأمام تجاهل مجلس الوزراء للملف في جلسته الأخيرة وغياب الإرادة السياسية لإيجاد حلول جذريّة لنفايات الفيحاء، لم يستبعد الرز إمكانية اللجوء إلى خيارات شاقة وغير شعبية، كإنشاء مطمر على الواجهة البحرية للمدينة، لافتاً إلى أن المفهوم التقني يقضي بدراسة حسنات وسلبيات أي مشروع قبل البتّ فيه.
مطمر صحي حديث
تُواجه مدينة طرابلس ومدن الفيحاء تحدياً بيئياً كبيراً في إدارة ملف النفايات، ويوضح في هذا الإطار الدكتور جلال حلواني، رئيس اللجنة اللبنانية للبيئة والتنمية المستدامة، أن تجهيز مطمر صحي مُستوفٍ للشروط العلمية يتطلب فترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر، وذلك لاستحداث أرضية غير منفذة وشبكات لسحب العصارة والغازات، في حين أن تحويل أي موقع إلى مكبٍّ عشوائي لا يحتاج أكثر من أسبوع واحد.
وحسماً للجدل القائم، يُشدد حلواني، في حديث للمدن، على ضرورة استبعاد خيار ردم البحر لمعالجة النفايات بيئياً واقتصادياً؛ فالواجهة البحرية لطرابلس تُعدّ شرياناً حيوياً يضمّ مشروع الواجهة الاقتصادية، المرفأ، وسكة الحديد، وتواجد مطمر بجوارها يطرد الاستثمارات، باستثناء ردم جزئي محدود لحماية سكة الحديد ومواجهة تآكل الشاطئ.
ويرى أنّ الحلّ الجذري والبديل يكمن في إنشاء مركز متكامل لإدارة النفايات يعتمد الفرز الآلي المتطور باستخدام أحدث التقنيات لفصل المواد العضوية والبلاستيك والمعادن ولإعادة تدويرها، مما يضمن استمرارية المشروع لمدّة تتراوح بين 15 و20 سنة.
لكن تصطدم هذه الرؤية بعقبة اختيار الموقع المناسب، حيث تمنع القوانين ونقص المساحات في مدن الفيحاء (طرابلس، الميناء، البدّاوي، والقلمون) إيجاد عقار ملائم وسط رفض شعبي متواصل.
لذا يحكى عن توسيع دائرة البحث نحو المناطق المجاورة مثل دير عمار، الفوار، أو الاستفادة من تجارب مناطق مثل "سرار" في عكار، لإنهاء هذه الأزمة البيئية المستعصية. علماً أن منطقة سرار تضم مطمرين؛ أحدهما عشوائي، والآخر جاري تجهيزه ليكون مطمراً صحياً ضمن مركز متكامل للاستفادة من النفايات في إنشاء صناعات.