المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جوزيف حبيب
الخميس 5 شباط 2026 07:40:41
ما زالت إيران تتشح بالسواد ومواطنوها الأحرار في حزن وحداد. تعرّض المتظاهرون والناشطون الإيرانيون المطالبون بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، لمجزرة بالغة الخطورة في همجيّتها ودمويّتها ونطاقها. مرعب حجم المأساة التي ألمّت بالبيوت الإيرانية الثائرة. جراح العائلات الثكلى مفتوحة وتنزف غضبًا مكبوتًا ينتظر اللحظة المؤاتية لتصفية الحساب مع ملالي طهران. تجزم أوساط المعارضة الإيرانية بأن "ثورة الحرّية" ضدّ النظام المجرم لم تنتهِ، معتبرة أن "الديكتاتور الأعلى" علي خامنئي ورجاله السفاحين، ربّما كسبوا "الجولة الأولى" المغمّسة بدماء الأبرياء، لكنهم سيدفعون ثمن جرائمهم القذرة على يد الشعب الإيراني عاجلًا وليس آجلًا.
ترى تلك الأوساط أن كلّ شيء تغيّر بعد "فاجعة كانون الثاني"، فلقد طفح كيل الإيرانيين من حكم رجال دين فاسدين وفاشلين أغرقوا البلاد بالأزمات والنكبات والفقر، وفوق كلّ ذلك، سفكوا دماء الإيرانيين ببربريّة قلّ نظيرها، ولا يزالون يمارسون القمع والتعذيب، للبقاء متربّعين على عرش السلطة. وتحسم أن "اللعبة انتهت" بالنسبة إلى نظام آيات اللّه، ورائحة الدماء الفائحة من البلاد تحمل بشائر "الفجر الإيراني" وستُغيّر مجرى التاريخ. لا يستغرب المعارضون الإيرانيون لجوء نظام الملالي إلى ألاعيبه الدبلوماسية المُعتادة ومراوغاته مع الوسطاء والأميركيين، في وقت يشتدّ فيه الحبل حول أعناقه بفعل الاحتقان الداخلي والضغوط الخارجية، لكنهم يتساءلون عمّا لدى هذا النظام المُفلس ليُقدّمه لواشنطن إذا ما جلسا حول "طاولة المفاوضات"؟ وماذا تنتظر إدارة الرئيس دونالد ترامب من عصابة امتهنت الكذب والرياء والمماطلة و "دبلوماسية الرهائن" وقتل الأميركيين وتصدير الإرهاب؟
رغم شعورهم بأنهم تركوا وحيدين بلا مساعدة أميركية كانت موعودة، في مواجهة آلة قتل شنيعة لم ترحم أحدًا في شوارع مدن إيران وقراها الحانقة، إلّا أن جزءًا كبيرًا من المعارضين الإيرانيين لم يفقد الأمل بعد باحتمال حصول تدخل خارجي مؤثر قد يساهم في تغيير موازين القوى ويفتح لهم الطريق للعودة مجدّدًا إلى الشارع بقوّة وزخم للتخلّص من نظام ثيوقراطي لم يجلب للبلاد سوى الخراب والجوع. يؤكد المعارضون أن الضغينة تملأ نفوس أهالي وأصدقاء الضحايا والمعتقلين، وهم يترصّدون فرصة سانحة للانتقام من نظام معادٍ استحال فاقد الشرعية، مشيرين إلى شعارات المشيّعين المكلومين الذين يتوعّدون الملالي بالثأر، ما يظهر أن جدار الخوف عند الإيرانيين قد هوى، وهنا يكمن بيت القصيد.
التجارب القاسية مع النظام صقلت المعارضين جيّدًا وأصبحوا أكثر جرأة وتحدّيًا، فيما جعلتهم أنهار الدماء التي أريقت في الأحياء والأزقة ومداخل الأبنية، وحتى داخل المستشفيات، يدركون في صميم وجدانهم أن التضحيات الجسيمة التي دُفعت على "مذبح" التحرّر من الطغيان، تحتم عليهم استكمال مسيرة النضال ضدّ نظام لا أنصاف حلول معه، بل يلزم القضاء عليه لنيل أبسط حقوقهم وتأمين مستقبل أجيالهم المقبلة. ينطلق المعارضون الإيرانيون من حسابات مصالح واشنطن، ويعتبرون أن على إدارة ترامب رفض الدخول في محادثات مع نظام كهذا، إذ بعد خبرة تمتدّ على مدى نحو 47 عامًا مع هذه الطغمة المؤدلجة والمتوحّشة، من يصدّق أن النظام الإيراني ممكن أن يقبل بشروط إدارة ترامب حول البرنامجَين النووي والصاروخي، ودعم الأذرع في المنطقة؟ هل من عاقل لديه ولو ذرة قناعة بأن هذا النظام الخارج من كهوف القرون الغابرة قابل للترويض أو التحديث؟
تتحدّث أوساط المعارضة عن أن إيران تعيش "المرحلة التي سبقت سقوط جدار برلين"، وتقارن "الهجمات الإرهابية" التي تعرّض لها المحتجّون الساعون نحو حياة أفضل، خصوصًا يومَي 8 و 9 كانون الثاني من هذا العام، بهجمات 11 أيلول 2001 الإرهابية التي زلزلت الولايات المتحدة وكانت لها ارتدادات هائلة على الساحة الدولية، إنما الفارق بين الحدثين المفصلييْن أن الإيرانيين يجابهون باللحم الحيّ "عدوًا داخليًا" يمسك بمقاليد الحكم ويملك وسائل وأدوات السيطرة والبطش. وتاليًا، فإن الإيرانيين بأمسّ الحاجة إلى مؤازرة من دول "العالم الحرّ"، ولا سيّما أميركا الواقفة اليوم أمام ظرف تاريخي متاح لطيّ صفحة نظام صاحب شعارَي "الموت لأميركا" و "أميركا الشيطان الأكبر"، بإغاثة ثائرين مضطهدين سيشكّلون "حلفاء طبيعيين" للغرب متى انتصروا على جلّاديهم.
يكتب الناشطون الإيرانيون الملاحقون وسط حملة اعتقالات واسعة، على جدران شوارعهم، رسائل جريئة وحازمة موجّهة إلى ترامب شخصيًا، تطالبه بالوفاء بوعده وتقديم يد العون لهم، وبعدم عقد الصفقات مع قتلة الشعب الإيراني، وتحذره من مغبّة تصديق زمرة من المخادعين والدجّالين، فالتاريخ يُراقب ولا يرحم. يقول الإيرانيون الأحرار إنهم حسموا خيارهم ويدفعون كلفة باهظة نتيجة لذلك، ويتساءلون: هل تتخذ واشنطن القرار المصلحي والأخلاقي والإنساني الصائب والحكيم، وتنصر شابات إيران وشبابها المظلومين بضرب الظالمين؟ إن غدًا لناظره قريب.