المصدر: اللواء
الكاتب: زياد سامي عيتاني
الاثنين 30 آذار 2026 07:42:11
التكليف جاء بدعم 85 نائباً من أصل 128، وهي رسالة دستورية واضحة؛ لبنان يريد دولة. وقد فهم الحزب الرسالة جيداً، فكان رد رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة” محمد رعد فورياً حين أعرب عن "أسفه” من محاولة "استبعاد الجماعة وإلغائها”. البيان الوزاري الصادر في شباط 2025 حمل التزامات لم يعتَد عليها الحزب؛ احتكار الدولة لحمل السلاح، والمحاسبة عن انفجار مرفأ بيروت، وسيادة لبنان على كامل أراضيه. هذه المبادئ الثلاثة وحدها كانت إعلان حرب من منظور حزب الله.
• خريطة الحملة الممنهجة
ما شنّه حزب الله ضد سلام لم يكن معارضةً سياسية اعتيادية، بل حملة متعددة المحاور موثقة زمنياً:
-اتهامه بالعمالة لأمريكا وإسرائيل: كان هذا المحور الأكثر تكراراً وخطورة. وصفت مصادر وزارية علنية "استياءها من حملات حزب الله ضد رئيس الحكومة واتهامه بتنفيذ إملاءات أمريكية وإسرائيلية”. ردّ سلام بحزم: "الحديث عن أن الحكومة اللبنانية تنفذ مشروعاً أمريكياً إسرائيلياً هو حديث مردود. قراراتنا لبنانية صرف، تصنع في مجلس وزرائنا ولا أحد يمليها علينا.”
-المقاطعة المؤسسية الممنهجة: منذ كانون الثاني 2025، قاطع الحزب الاستشارات البرلمانية، ثم انسحب وزراؤه من جلسات مجلس الوزراء، وبلغت المقاطعة ذروتها في اخر جلسة لمجلس الوزراء، حين تغيّب وزراء الثنائي (أمل وحزب الله) عن جلسة كانت تبحث في مساعدة النازحين والاعتداءات الإسرائيلية، أي القضايا التي يدّعي الحزب أنه يقاتل من أجلها.
-قطع التواصل مع مؤسسات الدولة: أعلنت مصادر في حزب الله صراحةً أن "التواصل مقطوع حالياً مع الرئيسين عون وسلام”، مع تصاعد التهديدات بـ”إسقاط قرارات مجلس الوزراء”.
• التلويح بالحرب الأهلية
في آب من العام الماضي، بعد أن أقرّ مجلس الوزراء قراراً تاريخياً بحصر السلاح في يد الدولة، تصاعد خطاب الأمين العام نعيم قاسم إلى مستويات لم يسبق لها مثيل منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. قال قاسم: "القرار خطير ويعرض البلاد لأزمة كبرى. حزب الله لن يسلم سلاحه ولو أدى ذلك إلى حرب شاملة.” ووصف أي مسعى لنزع السلاح بأنه "حرب كربلائية”، معلناً استعداده لـ”قطع اليد التي ستمتد” إليه.
لم يكن هذا كلاماً مجازياً في السياق اللبناني؛ فالحزب هو الطرف المسلح الوحيد الفعلي القادر نظرياً على تفجير حرب داخلية. وقد وصف سلام هذا الخطاب مباشرةً بأنه "تهديد مبطّن بالحرب الأهلية”، مشدداً على أن "التهديد أو التلويح بها مرفوض تماماً”. كذلك قال قاسم في السياق ذاته: "الحكومة تتحمل كامل المسؤولية لأي فتنة يمكن أن تحصل”. وهذه الجملة نموذج كلاسيكي لأسلوب التهديد بإنكار المسؤولية.
تقدّم عدد من النواب اللبنانيين بشكوى جزائية إلى المدعي العام التمييزي ضد قاسم، بتهم "التهديد بالحرب والفتنة الداخلية والانقلاب على قرارات الدولة”.
• الصواريخ فوق رأس الدولة
في الثاني من آذار، وفي أعقاب مقتل المرشد الإيراني خامنئي، أطلق حزب الله صواريخ ومسيّرات نحو إسرائيل من الجنوب اللبناني دون أي تنسيق مع الحكومة أو الجيش. كان الفعل إعلاناً صارخاً؛ إيران أولاً، لبنان ثانياً.
أصدر مجلس الوزراء بياناً رسمياً وصف فيه الهجوم بأنه "يتناقض مع حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها، ويشكّل خروجاً على مقررات مجلس الوزراء وتخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين بما يُقوّض مصداقية الدولة اللبنانية”. وأصدرت الحكومة في اليوم ذاته قراراً غير مسبوق؛ حظر فوري لجميع أنشطة الحزب العسكرية والأمنية وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة.
سلام لخّص المأساة في جملة واحدة في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط: "كان بإمكاننا تجنب التأثر بالنزاع لولا الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه حزب الله بجرّ لبنان إليه.”
• أربع جرائم سياسية موصوفة
-الجريمة الأولى: قلب معادلة السيادة. القانون الدولي والدستور اللبناني وميثاق الطائف تقول شيئاً واحداً: الدولة وحدها تقرر الحرب والسلم. حزب الله قرر وحده الحرب وأورث الدولة تداعياتها، ثم حين طالبته الحكومة بالامتثال للقانون وصف القانون نفسه بأنه "مشروع أمريكي-إسرائيلي”. هذه ليست معارضة، هذا تدمير ممنهج لمفهوم الدولة.
-الجريمة الثانية: احتجاز لبنان رهيناً لإيران. إطلاق الصواريخ "تضامناً مع إيران” بعد مقتل خامنئي لا يحتاج إلى تحليل. الحزب قرر تعريض لبنان وأهله للضربات خدمةً لأجندة طهران. لا الحكومة أقرّت هذا، ولا البرلمان ناقشه، ولا أغلبية اللبنانيين أرادته.
-الجريمة الثالثة: التهديد بالحرب الأهلية كأداة سياسية. حين يلوّح الطرف الوحيد المسلح في البلاد بـ”حرب شاملة” ضد قرارات حكومة شرعية، فهذا ليس تحذيراً. هذا ابتزاز بالسلاح. الشعب اللبناني الذي عاش خمس عشرة سنة من الحرب الأهلية يدرك تماماً ما تعنيه هذه التهديدات.
-الجريمة الرابعة: خيانة التمثيل الشيعي. المكوِّن الشيعي في لبنان هو الأكثر تضرراً من حروب الحزب؛ بلداته دُمّرت، شبابه قُتلوا، اقتصاده أُفلس. ثم يأتي الحزب ليقاطع الجلسات الحكومية التي تبحث في مساعدة النازحين، أي نازحيه هو قبل الجميع خدمةً لحسابات إقليمية بعيدة عن كل احتياجات أبناء الجنوب والضاحية.
ما جرى في لبنان بين عامَي 2025 و2026 هو اختبار وجودي للدولة. حزب الله يعلم أن نواف سلام لا يمثّل تياراً سياسياً بل يمثّل فكرة: أن القانون يسري على الجميع بلا استثناء. من هنا عنف الحملة ضده.
• نواف سلام: شجاعة الدولة في مواجهة منطق السلاح
في كل مرحلة من هذه المواجهة، وقف نواف سلام موقفاً يستحق التأمل والإشادة الموضوعية، لا لأنه استثنائي في السياسة المقارنة، بل لأنه استثنائي في السياق اللبناني تحديداً؛ حيث اعتادت الحكومات المتعاقبة إما التسليم بمنطق الحزب أو الالتفاف عليه بالمساومة الصامتة.
سلام فعل شيئاً مختلفاً؛ تكلّم بصوت الدولة حين كان من الأسهل الصمت. حين وُصفت قراراته بأنها "إملاءات أمريكية-إسرائيلية”، لم يتراجع ولم يتهادن، بل واجه الاتهام مباشرةً بخطاب دستوري واضح. وحين لوّح قاسم بالحرب الأهلية، لم يُخفّف الرجل كلامه دبلوماسياً كما جرت العادة، بل أسمّى الأمور بأسمائها: "تهديد مبطّن بالحرب الأهلية”. وحين أطلق الحزب صواريخه فوق رأس الدولة في آذار 2026، لم تُصدر حكومته بياناً فضفاضاً يوازن بين "الإدانة والتفهّم”، بل أصدرت قراراً تاريخياً لم تجرؤ عليه حكومة لبنانية من قبل: حظر أنشطة الحزب العسكرية وإلزامه بتسليم سلاحه.
ما يجعل هذه المواقف جديرة بالإشادة ليس البطولة الفردية، بل الثبات المؤسسي في لحظات الضغط الأقصى. فسلام يعلم، بحكم تجربته القضائية الدولية، أن السيادة ليست شعاراً خطابياً بل إجراء قانونياً يُطبَّق أو يُهدر. وفي كل مرة خيّره الحزب بين الرضوخ والمواجهة، اختار المواجهة بأدوات الدولة لا بأدوات الحزب: البيانات الرسمية، والقرارات الوزارية، والمساءلة القانونية. رجل يرفض أن يُحكم على شعب بأكمله باسم سلاح لم يختَره.
هذا لا يعني أن سلام معصوم من النقد أو أن حكومته أنجزت ما وعدت به كاملاً. غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين من يواجه بالقانون ومن يهدد بالسلاح، بين من يتكلم باسم الدولة ومن يُبتزّها.
• الدولة أم السلاح: لا وسط بينهما
ما جرى في لبنان بين عامَي 2025 و2026 هو اختبار وجودي للدولة. حزب الله يعلم أن نواف سلام لا يمثّل تياراً سياسياً بل يمثّل فكرة: أن القانون يسري على الجميع بلا استثناء. من هنا عنف الحملة ضده.
غير أن المشهد يحمل دلالة عميقة: لبنان يمضي قُدُماً نحو دولة مختلفة. خسر الحزب أغلبيته البرلمانية، وخسر قيادته الميدانية، وخسر قرار الحرب والسلم رسمياً، وبات سلاحه موضوع نقاش قانوني لا حصانة سياسية. والأهم: الحملة على سلام لم تُضعف الدولة، بل كشفت أن الحزب يخشاها.