المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الاثنين 22 حزيران 2026 17:24:55
في نهاية يوم طويل وحافل بالمحاكمات العسكرية، وفيما كانت قاعة المحاكمات تتهيأ لإسدال ستارتها، نودي على المطلوب الأشهر في لبنان، نوح علي زعيتر للمثول أمام قوس المحكمة العسكرية الدائمة. كانت هذه جلسته الثالثة. جلسة رُحلت إلى آخر النهار لتكون مسك الختام، أو ربما واجهة لمسارٍ قضائيّ طويل ومعقد يلف واحدةً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الوجدان اللبنانيّ المعاصر.
يواجه زعيتر في هذه المحاكمة ثلاثة ملفات، من أصل مئة عند المحكمة العسكرية وحدها، تتأرجح بين الاتجار بالمخدرات ومقاومة السلطات اللبنانية وتشكيل مجموعة مُسلحة.
ملفات تراكمت على مدى سنوات طويلة من الملاحقات والخطابات الإعلامية، لتتحوّل المحاكمة لمجرد إجراء قانونيّ روتينيّ إلى مواجهة علنية بين "الأسطورة الإعلامية" و"الواقع القضائي".
مفارقة الإعلام والقضاء
خلال الجلسة التي حُددت مواعيدها المقبلة في الثاني من تشرين الثاني 2026، لم يشأ زعيتر أن يمرّ الاستجواب صامتًا. طلب الكلام وبنبرة تختصر سنوات "النجومية رغمًا عنه والتخفي"، توجّه إلى رئيس المحكمة العميد وسيم فياض متسائلًا عن أفق هذا المسار: "أنا عندي ألف مذكرة توقيف، كيف بدي أخلص"؟ لم ينكر زعيتر واقعه، لكنَّه جادل في حجمه وفي عبارةٍ اختصرت جوهر دفاعه قال: "أنا في ملفات القضاء أصغر تاجر مخدرات، وفي الإعلام أنا أكبر التجار!". "وفي كل مرةٍ إدعى شخص أنّه اشترى حشيشة أو "سيغارة"، تلصق الاتهامات بي".
بهذه الكلمات حاول نوح زعيتر تفكيك الهالة التي نسجتها وسائل الاعلام، وحوَّلته إلى "روبن هود" البقاعي تارةً، وإلى "إسكوبار" لبنان تارةً أخرى. بالنسبة له، فإن اسم نوح زعيتر بات شماعةً جاهزةً للقضاء والأجهزة الأمنية وحتى المتورطين، تُعلَّق عليها كل ضبطية مخدرات أو اعتراف انتُزع من موقوفٍ عابر صغيراً كان أو كبيراً.
الهروب السوريّ كـ"درع دفاعيّ"
اللافت في استراتيجية الدفاع التي قدَّمها نوح زعيتر كان الاتكاء على الجغرافيا الإقليمية كحجة غياب قاطعة. فقد نفى كل التهم الموجهة إليه في الملفات الثلاثة مستندًا إلى هروبه أو إلى غيابه الطويل عن الأراضي اللبنانيّة. فأوضح أمام المحكمة أنه أمضى 12 عامًا في سوريا هاربًا من الملاحقات الأمنية في الدولة اللبنانية قبل سقوط نظام بشار الأسد.
هذا النفي المدعَّم بالهروب السوري" يضع المحكمة العسكرية أمام معضلة التدقيق في التواريخ والوقائع: هل يمكن لشخصٍ متوارٍ أن يدير شبكات اتجار بالداخل اللبناني بالصورة الضخمة التي رسمتها تقارير الأمن والإعلام، أم أنّ غيابه كان كفيلًا بجعل اسمه الماركة المسجلة الأكثر سهولة للاستخدام من قبل صغار التجار والمحققين على حدٍ سواء؟
إلى تشرين..
تنتهي الجلسة الثالثة لتبدأ مرحلة الانتظار حتى الخريف المقبل. ستشهد هذه الجلسة مثول شاهدين بناءً على طلب المحكمة وهما "مصطفى مشيك، محمد أبو بكر". يغادر نوح زعيتر قاعة المحكمة العسكرية تاركاً خلفه سؤالًا معلقًا بين سطور المذكرات الألف: هل تحاكم الدولة اللبنانية اليوم رجلًا وفقًا لأدلة جنائية ملموسة؟ أم أنّها تحاكم الظاهرة الإعلامية التي تحدَّت هيبتها لسنوات؟ الجواب مؤجَّل إلى الجلسات التي وعد رئيس المحكمة المتهم نوح زعيتر بتكثيف ملفاتها بعد اعتراضه على معاناته في سوقه من أجل ثلاثة أو أربعة ملفات.