المصدر: إرم نيوز
الأحد 1 تشرين الثاني 2026 11:57:09
كشف العميد اللبناني المتقاعد ناجي ملاعب، أن تراجع وتيرة الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان لا يعني توقف العمليات العسكرية، أو تخلي إسرائيل عن فرض وقائع ميدانية جديدة.
وأشار إلى أن القوات الإسرائيلية لا تزال تطلق نيرانها على تخوم المناطق التي تحتلها، في ظل مخاوف من استعداد "حزب الله" لاستئناف القتال، واستمرار التوتر بشأن عودة السكان إلى القرى الحدودية وممارسة الأنشطة الزراعية.
وقال ملاعب، في تصريحات خاصة لـ "إرم نيوز"، إن إسرائيل لم يعد لديها، بعد قصف وتدمير 56 قرية، هدف عسكري واضح يمكن تحقيقه في المناطق التي تحتلها، إلا أن استمرار إطلاق النار والتضييق على المزارعين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم وقطف الزيتون، يعكسان تمسكها بالإجراءات الميدانية التي فرضتها، وحرصها على إبقاء المنطقة تحت المراقبة والضغط الأمني.
وأضاف أن هذه التطورات تؤكد أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مسارًا لا ينبغي أن يجري تحت ضغط وقف إطلاق النار أو الانسحاب، بل بالتوازي مع استمرار فرض الوقائع على الأرض، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية خلال المحادثات.
رفض لبناني للرقابة الإسرائيلية
وفيما يتعلق بمسار الوساطة، أوضح ملاعب أن الجولات التفاوضية المتتالية اكتسبت أهمية بسبب انتقال النقاش في الجولة العسكرية الأخيرة إلى تحديد المطالب الإسرائيلية بصورة أكثر تفصيلًا، وما تنتظره تل أبيب من الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.
وأشار إلى أن لبنان رفض مقترحًا إسرائيليًّا بإنشاء مكتب أو لجنة مشتركة تضم ممثلين أمريكيين وإسرائيليين ولبنانيين، إلى جانب منح إسرائيل دورًا في مراقبة جهود الجيش اللبناني، باعتبار أن مثل هذه الآلية قد تنتقص من السيادة اللبنانية وتضع المؤسسة العسكرية تحت رقابة مباشرة.
وأوضح أن بيروت تنتظر تدخلًا أمريكيًّا يعيد طرح مبدأ الانسحابات المتبادلة من المناطق التجريبية، بحيث يتولى الجيش اللبناني مسؤولياته الأمنية في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، وفق آلية واضحة وضمانات متفق عليها، بدلًا من استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وفرض شروط أحادية.
وتأتي هذه الخلافات في أعقاب المحادثات العسكرية والفنية التي استضافتها مدينة "تامبا" الأمريكية بين 20 و22 أكتوبر، والتي تناولت تنفيذ إطار التفاهم الثلاثي، وترتيبات المناطق التجريبية، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ودور الجيش اللبناني.
ولم تسفر المحادثات عن اختراق معلن في الملفات الأساسية، فيما قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، الخميس، إن قضايا وقف إطلاق النار والانسحاب وترسيم الحدود وإطلاق سراح المحتجزين لا تزال من دون تقدم ملموس، مطالبًا بوقف الضربات الإسرائيلية، ومؤكدًا أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها.
مخاوف من إعادة بناء قدرات حزب الله
وفي سياق متصل، قال مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز"، إن استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب يرتبط، من بين عوامل أخرى، بمخاوف تل أبيب من إعادة "حزب الله" بناء قدراته العسكرية واستعادة بنيته التنظيمية في المناطق التي تضررت خلال المواجهات، لافتًا إلى أن تقدير الموقف الأمني لا يزال يتأثر بغياب ضمانات متبادلة بشأن الانسحاب ومنع تجدد الاشتباكات.
وأضاف المصدر أن تقارير أمنية عن تحركات الحزب وقدراته تظل أحد العوامل التي تستند إليها إسرائيل لتبرير استمرار عملياتها، في حين ترى بيروت أن استمرار الضربات والوجود العسكري الإسرائيلي يعرقلان مهمة الجيش اللبناني ويضعفان قدرة الدولة على بسط سلطتها بصورة مستقرة في الجنوب.
وكانت وكالة "رويترز" نقلت، في 26 أكتوبر، عن مصادر أمنية لبنانية أن "حزب الله" أمضى 3 أشهر في الاستعداد لاحتمال تجدد الحرب، عبر العمل على استعادة بعض قدراته، وتأمين المتفجرات وتطوير الطائرات المسيرة وإعادة بناء مخزونات السلاح وهياكل القيادة والسيطرة.
الانتخابات الإسرائيلية تعيد حسابات التفاوض
وعلى الصعيد السياسي، يرى ملاعب أن لبنان يسعى إلى إعادة وضع القرار الأمريكي في قلب مسار التفاوض، باعتبار واشنطن الطرف القادر على الضغط من أجل وقف العمليات الإسرائيلية وتفعيل ترتيبات الانسحاب المتبادل، مشيرًا إلى أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستؤثر في طبيعة المرحلة المقبلة، وإن كانت لا تحسم وحدها اتجاه السياسة الأمنية تجاه لبنان.
وكانت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر انتهت إلى مشهد برلماني غير حاسم؛ إذ حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر المعارض بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصدت القوائم العربية 19 مقعدًا، من دون أن يتمكن أي معسكر من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة، البالغة 61 مقعدًا.
وبذلك دخلت إسرائيل مرحلة مفاوضات تشكيل الحكومة، مع استمرار نتنياهو في منصبه رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال لحين اكتمال الإجراءات الدستورية.
وفي هذا الإطار، استعاد ملاعب تجربة آيزنكوت خلال عضويته في مجلس الحرب الذي شكله نتنياهو عقب هجمات السابع من أكتوبر، موضحًا أن الخلافات بينهما ارتبطت، بغياب تصور سياسي واضح لاستخدام الجيش، وعدم تحديد أفق زمني للعمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن آيزنكوت ووزير الدفاع السابق بيني غانتس غادَرا المجلس لاحقًا، في ظل خلافات بشأن إدارة الحرب وأهدافها.
وأضاف ملاعب أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، إذا تحقق، قد يفتح المجال أمام مقاربة تركز على ترتيبات أمنية تقلل أعباء الانتشار العسكري والاستدعاء المتكرر لقوات الاحتياط، بما يشمل قبول وجود قوى دولية فاعلة، والتوصل إلى تفاهمات مع لبنان بشأن وقف الأعمال العدائية ومنع تحول الجنوب إلى ساحة مواجهة جديدة.
واستشهد بتجربة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عام 2000، حين قررت إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان، في خطوة ارتبطت آنذاك بإعادة تقييم كلفة استمرار الوجود العسكري هناك.
واعتبر أن أي توجه مشابه قد يجد نقاشًا داخل المجتمع الإسرائيلي، في ظل الأعباء الاقتصادية والعسكرية التي يفرضها استمرار القتال والاستدعاء المتكرر للاحتياط.
لكن ملاعب شدد على أن أي تغيير في القيادة السياسية الإسرائيلية لا يعني بالضرورة حدوث تحوّل فوري في التعامل مع لبنان، خصوصًا أن نتائج الانتخابات لم تمنح آيزنكوت معسكر أغلبية برلمانية، كما أن تشكيل الحكومة المقبلة لا يزال مفتوحًا على تفاهمات وائتلافات متعددة.
وبينما تنتظر بيروت ما ستسفر عنه المشاورات الأمريكية والانتخابات الإسرائيلية، تبقى الملفات الأساسية عالقة بين مطلب الانسحاب ووقف الضربات من جهة، والمطالب الإسرائيلية المتعلقة بترتيبات الأمن ونزع سلاح "حزب الله" من جهة أخرى، في وقت يستمر فيه التوتر الميداني ويظل مستقبل الهدنة مرتبطًا بمدى قدرة الوساطة الأمريكية على تحويل التفاهمات العامة إلى خطوات قابلة للتنفيذ على الأرض.