هدوء لبناني "على صفيح ساخن".. هل تستغل إسرائيل تفاهم أميركا وإيران؟

تتسارع التفاعلات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط على وقع التفاهمات بين واشنطن وطهران، وهي التفاهمات التي أرست قواعد جديدة لما بات يُعرف بـ"تخفيف الضربات المتبادلة". 

في إسرائيل لا تبدو القراءة الرسمية لهذه التفاهمات منسجمة مع الآمال الدولية التي رأت في الاتفاق خطوة أولى نحو استقرار إقليمي شامل يفضي إلى حل الأزمات البنيوية في المنطقة، ومن ضمنها احتلال مساحة واسعة من الأراضي اللبنانية.

وبدلاً من ذلك، تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع هذا التحول بوصفه مظلة أمنية تكتيكية تسمح لها بإدارة الصراع وتخفيف حدة الاستنزاف العسكري، دون تقديم أي تنازلات جوهرية تمس جوهر مشروعها التوسعي أو تغير من الواقع الجيوسياسي المفروض على الأرض.

ويرى خبراء أن السلوك الإسرائيلي الراهن يمثل امتداداً لإستراتيجية قديمة متجددة تقوم على الفصل الحاسم بين المسارات الإقليمية والمسارات المحلية.

وأكد الخبراء، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أنه في الوقت الذي تنخرط فيه أميركا في ترتيب أوراقها مع إيران لضبط إيقاع المواجهة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، تجد تل أبيب في هذه التهدئة فرصة سانحة لتثبيت الأمر الواقع. 

وأشاروا إلى أن هذا الأمر يعني عملياً تحويل مفهوم "الهدوء مقابل الهدوء" من صيغة مؤقتة إلى وضع طبيعي دائم، تُعفى إسرائيل بموجبه من دفع أي أثمان سياسية، وتُمنح في المقابل فرصة لالتقاط الأنفاس وترميم جبهتها الداخلية التي أنهكتها جولات التصعيد المتتالية على جبهات متعددة.

في هذا السياق، يقول المحلل السياسي لطفي الزغيّر، إن الحكومة الإسرائيلية الحالية ترفض بشكل قاطع الربط بين أي ترتيبات أمنية إقليمية وبين ملف الهوية السياسية للأراضي التي تحتلها.

ويؤكد أن الرؤية الإسرائيلية للاتفاق الأمريكي الإيراني تنحصر في بُعدها الإجرائي؛ أي ضبط حدود القوة ومنع الهجمات الصاروخية ومسيرات المحور الإيراني، دون أن يمتد ذلك إلى مراجعة السياسات الإسرائيلية بشأن احتلالها للأراضي العربية بشكل عام.

ويوضح أن إسرائيل نجحت تاريخياً في تسييل الضغوط الدولية وتحويلها إلى مسارات فرعية، وهي اليوم تطبق المناورة ذاتها عبر التعاطي البراغماتي مع الدبلوماسية الأمريكية، مستفيدة من رغبة واشنطن في تجنب التصعيد الكارثي، لتضمن لنفسها في المقابل حرية الحركة في كل الأراضي المحتلة.
من جانبه، يعتبر المحلل السياسي جهاد نويّر هذا الموقف الإسرائيلي عملية "شراء وقت" مدروسة لإعادة التموضع الاستراتيجي.

ويقول في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن الضربات المتبادلة والحروب الاستنزافية الطويلة كشفت عن ثغرات واضحة في الاقتصاد الإسرائيلي وفي جهوزية الجبهة الداخلية والمنظومات الدفاعية.

ويوضح أنه بناءً على ذلك، يمثل الاتفاق الأمريكي الإيراني بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية فرصة ذهبية لمراجعة الخطط، وتطوير الترسانة التكنولوجية والدفاعية، وإعادة تنظيم الصفوف دون ضغوط الميدان اليومية.

يتضح مما سبق أن خطورة القراءة الإسرائيلية الحالية للاتفاق، بحسب آراء الخبراء، تكمن في أنها تنسف المبدأ القائل بأن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون حل العقدة الأساسية المتمثلة في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ومن ضمنها الأراضي اللبنانية. 
وتحذر هذه القراءات من أن الاكتفاء بـ "تخفيف الضربات" يحول الصراع من مواجهة ساخنة إلى مواجهة باردة قابلة للانفجار في أي لحظة، لأن الأسباب الجوهرية للاشتعال لا تزال قائمة ولم يجرِ التطرق إليها. 

المنظومة الدولية، بقيادة الولايات المتحدة، قد تجد نفسها مدفوعة للاعتقاد بأن ضبط السلوك الإيراني يكفي لتأمين المنطقة، وهو ما تستغله إسرائيل لتكريس احتلالها وتهميش القضية الفلسطينية بشكل كامل.

وبشكل عام، فإن المشهد السياسي يُظهر أن الحكومة الإسرائيلية لا ترى في الاتفاقيات الدولية والإقليمية جسراً نحو التهدئة الشاملة، بل ترى فيها أداة وظيفية لحفظ أمنها المباشر وتقليل خسائرها الاقتصادية والبشرية.