هكذا أحبطت كريستين مخطّطاً إيرانيّاً في لبنان

كتاب "الجاسوسات: ستّ عميلات سرّيات استثنائيات"، عمل مثير للاهتمام يكشف النقاب عن شخصيات نسائية مجهولة في عالم الاستخبارات. من خلال ستّة "بورتريات" لنساء أدّين دوراً حاسماً في التاريخ الحديث، تدمج المؤلّفة ماري-لور بويسون بين السَّرد الوثائقي، التحقيق الصحافي، والتكريم لدور المرأة في عالم التجسّس.

من الحرب الباردة إلى مكافحة الإرهاب الحديثة، أدّت تلك الجاسوسات دوراً حاسماً في تشكيل مجريات الأحداث العالمية. استناداً إلى شهادات حقيقية ووقائع تاريخية، يكشف الكتاب، الصادر عن دار نشر "Les presses de la Cité" في أيلول الماضي، المسارات الفريدة لأولئك النساء اللواتي كان لهنّ تأثير عميق على الأمن القومي لبلادهنّ. من بينهنّ، تبرز كريستين، العميلة في الجهاز الفرنسي للاستخبارات الخارجية، والتي قامت بمهمّة حاسمة في لبنان لمنع إيران من تجنيد عالم بارز.

سونيا والقنبلة الذرّية

بدأت أورسولا كوتشينسكي، المعروفة باسمها الحركي سونيا، حياتها في عائلة يهودية شيوعية في ألمانيا، وانضمّت إلى الاستخبارات السوفياتيّة في الثلاثينات. كانت جزءاً من الشبكة التي أدارت عمليات تجسّس حسّاسة خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.

تنقّلت بين الصين، وسويسرا، وإنكلترا، حيث عملت في الخفاء لجمع المعلومات ونقلها إلى الاتّحاد السوفياتي. لكنّ دورها الأبرز كان في تمرير أسرار "مشروع مانهاتن"، البرنامج الأميركي الذي أدّى إلى تصنيع القنبلة الذرّية. بفضل جهودها، تمكّن السوفيات من تسريع أبحاثهم النووية، ما غيّر موازين القوى العالمية في العام 1949.

بعد الحرب، تمكّنت من الهرب إلى ألمانيا الشرقية، حيث عاشت بعيداً من الأنظار، وروت تجربتها في كتب لم تكشف سوى جزء بسيط من حياتها السرّية.

سيلفيا أخطأت الهدف

ولدت سيلفيا رافايل في جنوب أفريقيا، وانضمّت إلى الموساد بفضل مهاراتها الفريدة في التمويه والتحدّث بلغات عدّة. كانت من بين أخطر العملاء الإسرائيليين خلال السبعينات، حيث عملت على ملاحقة الإرهابيين ومجرمي الحرب النازيين.

شاركت في عملية "غضب الله"، وهي حملة انتقامية نفّذها الموساد بعد هجوم ميونيخ في العام 1972. لكن في إحدى العمليات في النرويج، اغتيل شخص بريء عن طريق الخطأ، ما أدّى إلى اعتقالها وسجنها. اختارت الابتعاد عن عالم الاستخبارات، بعد الإفراج عنها، وهذا يدلّ على التحدّيات الأخلاقية والمخاطر التي تواجه العملاء السريّين.

كيم هيون-هي فجّرت طائرة

تُعًد كيم هيون-هي من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في عالم التجسّس. كانت جزءاً من الاستخبارات الكورية الشمالية، حيث تمّ تدريبها منذ صغرها على التلاعب النفسي والتمويه.

في العام 1987، زرعت قنبلة على متن الرحلة 858 للخطوط الجوية الكورية، ما أدى إلى مقتل 115 شخصاً، في محاولة لنشر الذّعر قبل "أولمبياد سيول" عام 1988. قُبض عليها لاحقاً في كوريا الجنوبية، وحاولت الانتحار، لكنّها نجت واعترفت بتفاصيل العملية، ما كشف الكثير عن العمليات السرّية للنظام الكوري الشمالي.

في النهاية، أُعفي عنها، وأصبحت من أشدّ المنتقدين لنظام بيونغ يانغ، حيث قدّمت شهادات حول كيفية غسل الأدمغة داخل كوريا الشمالية.

أماريلّيس والإرهاب

تعد أماريلّيس واحدة من أكثر الشخصيات غموضاً وإثارة في عالم التجسّس الحديث، حيث عملت لصالح "وكالة المخابرات المركزية (CIA)" وكانت متخصّصة في مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لم تكن مجرّد محلّلة معلومات أو مخططة عمليات، بل كانت عميلة ميدانية نفّذت مهامّ سرّية بالغة الخطورة.

بعد هجمات 11 أيلول 2001، أصبح التجسّس على "تنظيم القاعدة" والجماعات المرتبطة به أولوية قصوى، فأدّت أماريلّيس دوراً محورياً في تجنيد المخبرين داخل شبكات الإرهاب، والتفاوض مع مصادر حسّاسة، واختراق التنظيمات المتطرّفة. إحدى أبرز مهامها كانت إدارة عمليات الاستجواب للمشتبه في تورّطهم بالإرهاب، حيث كان عليها استخلاص المعلومات الحيوية حول الهجمات المحتملة. كانت هذه المرحلة مثيرة للجدل بسبب الأساليب التي استخدمتها "CIA" في التحقيقات، والتي تضمّنت أساليب ضغط نفسي وجسدي شديدة. وجدت أماريلّيس نفسها في صراع داخلي بين الواجب الأمني والأخلاقيات المهنية.

وبعد سنوات من العمل الميداني، انتقلت أماريلّيس إلى دور استراتيجي داخل الوكالة، حيث أصبحت محلّلة استخباراتية ومدرّبة للجيل الجديد من العملاء السريين.

جوستين الحارسة السرّية

كانت جوستين واحدة من أهم العملاء في"الجهاز الفرنسي للاستخبارات الداخلية (DGSI)"، وأدّت دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب داخل فرنسا وأوروبا، حيث كانت واحدة من أبرز العميلات اللواتي تخصّصن في اختراق الشبكات الإرهابية والتسلّل إلى الخلايا المتطرّفة. لم يكن عملها مجرّد مراقبة أو تحليل معلومات، بل كان يتطلّب مواجهة مباشرة ومستمرّة للخطر، حيث عاشت تحت هويّات مزيّفة، وتوغّلت في بيئات معادية، وكوّنت علاقات مع أفراد يشكّلون تهديداً مباشراً للأمن القومي الفرنسي. كانت مهمّتها الأساسية كسب ثقة الإرهابيين المحتملين وجمع معلومات دقيقة عن خططهم وهياكلهم التنظيمية، ما ساعد في إحباط عدّة هجمات مدمّرة قبل وقوعها.

كريستين وخطّة إيران في لبنان

اختصّت كريستين بمكافحة انتشار الأسلحة وجمع المعلومات الاستخبارية، وكانت إحدى مهامها الأكثر خطورةً، في لبنان، حيث كان عليها مواجهة النفوذ الإيراني.

كانت كريستين تعمل لصالح "الجهاز الفرنسي للاستخبارات الخارجية (DGSE)"، وكُلّفت بمنع إيران من تجنيد العالِم اللبناني بشّار حمادة، الأستاذ في "جامعة سيدة اللويزة"، الذي كان متخصّصاً في أنظمة توجيه الصواريخ الباليستية.

بفضل المراقبة الدقيقة، اكتشفت كريستين أنّ حمادة كان محطّ أنظار "الحرس الثوري الإيراني"، وأنّ طهران عرضت عليه امتيازات ضخمة ليعمل لصالحهم. لكنّ كريستين وجدت نقطة ضعف يمكنها استغلالها لجعله يرفض عرض إيران، إذ كانت زوجته مصابة بالسرطان وتُعالج في مستشفى "أوتيل ديو" ببيروت.

استغلّت هذه المعلومة، واقتربت منه في إحدى المكتبات بباريس، وعرضت عليه خياراً بديلاً: الحماية الفرنسية الكاملة، بما في ذلك علاج زوجته في أفضل المستشفيات بفرنسا. بعد تردُّد، وافق حمادة على العرض، وفي النهاية نجح جهاز "DGSE" في تهريبه هو وزوجته إلى فرنسا، وإحباط المخطط الإيراني.

يُبرز هذا الكتاب أنّ دور النساء في عالم الاستخبارات لم يكن هامشياً، بل كان جوهرياً في تشكيل مجريات الأحداث العالمية. إنه كتاب شيق يقدّم لمحةً نادرة عن النساء في عالم الاستخبارات، بأسلوب سلس ومشوّق، تنجح بويسون في إلقاء الضوء على شخصيات غالباً ما تمَّ تهميشها في السرد التاريخي التقليدي.

قد لا يغني هذا الكتاب عن الرجوع إلى مصادر أكثر تفصيلاً لفهم الجوانب المعقّدة للاستخبارات الدولية، لكنه يُعدّ مدخلاً ممتازاً لموضوع الجاسوسات. قراءته ممتعة ومثرية، تستحق اهتمام الشغوفين بتاريخ الاستخبارات، ودَور النساء في العمليات السرية، وتأثيرهن على المشهد الجيوسياسي العالمي.

 

 

 

المؤلِّفة في سطور

ماري-لور بويسون كاتبة فرنسية ومحامية سابقة متخصصة في القانون التجاري. وُلدت في باريس عام 1967، وبدأت مسيرتها المهنية كمحامية في مجال الأعمال، ثم جذبها الاهتمام بالقضايا الدفاعية والعسكرية، فأصبحت مدقّقة في "معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني" عام 2011، حيث اكتشفت عالم الجيش والفيلق الأجنبي. وهي اليوم كولونيل في الاحتياط المدني لـ "القوات الجوية الفرنسية".

 

كمؤلفة، نشرت ماري-لور بويسون كتباً سلّطت الضوء على الشخصيات النسائية المنسية في التاريخ العسكري والاستخباراتي، منها "نساء مقاتلات: سبع بطلات من تاريخنا".

 

تركّز كتاباتها على قصص النساء اللواتي واجهن المخاطر وقمن بأدوار بارزة في المجالات العسكرية والاستخباراتية.