المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أنطوان فرح
الثلاثاء 7 نيسان 2026 07:30:07
من خلال متابعة حركة أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية، يمكن استشعار الخطر المحدق بالوضع اللبناني، أو على الأقل مستوى التشاؤم الذي بدأ يسيطر على المستثمرين في رهاناتهم على المستقبل المالي للبلد. وفي حين أن الإشارات الأولى لاندلاع الحرب كانت إيجابية، بحيث أن سعر السند ارتفع بسرعة ليتجاوز في نقطة القمة الـ31 سنتًا، عاد لاحقًا إلى مسار انحداري بحيث وصل قبيل إغلاق الأسواق في عطلة الفصح، إلى حوالى 23 سنتًا.
ليس خافيًا على أحد أن ارتفاع أسعار اليوروبوندز في بداية الحرب، كان يمثل رهانًا على تغيير سريع قد يحصل في لبنان، وربما المنطقة، نحو الأفضل، بما كان يعني أن الدولة اللبنانية ستكون قادرة على إعادة هيكلة ديونها الخارجية، والالتزام بتسديد هذه الديون وفق الصيغة الجديدة التي قد يتم التوافق حولها.
في المقابل، وبعدما اتضح أن الحرب قد لا تكون قصيرة، خصوصًا في لبنان، بصرف النظر عن محاولات إنهاء القتال الإقليمي، تراجعت الحماسة على الرهان على قدرة الدولة على تسديد ديونها، وتعاظمت الشكوك في شأن الحالة التي ستخرج فيها الدولة من هذه الحرب. هذه الشكوك جرت ترجمتها من خلال ارتفاع عرض بيع السندات وتراجع الطلب عليها، الأمر الذي دفعها إلى السقوط في غضون أسبوعين بنسبة لا تقل عن 25 %.
في موازاة مشهد الديون الخارجية، لا يبدو مشهد ديون الدولة في الداخل أقل تعقيدًا. وقد بات واضحًا أن الحكومة لا تعي خطورة التصرّف وكأنها غير مُلزمة بالتعاطي بسمؤولية توازي على الأقل طريقة تعاطيها مع الديون التي يحملها مستثمرون أجانب. وبالتالي، لا تزال الخطوط العريضة للاتفاق بين الدولة ومصرفها المركزي على كيفية تسديد هذه الديون غامضة. ولا تزال الحكومة، ومعها صندوق النقد، تتصرف على أساس أنها غير مقيدة بالتزامات مالية.
في أحدث رقم لحجم الأموال التي سحبتها الحكومات المتعاقبة من مصرف لبنان، تبيّن أنها أخذت حوالى 63,4 مليار دولار. وهي تختبئ وراء موقف صندوق النقد الذي يرفع شعار استدامة الدين للتصدّي لأي محاولة تلتزم فيها الدولة بدفع جزء من هذه الديون لمصرف لبنان، لكي يتمكن بدوره من دفع التزاماته للمصارف، وصولًا إلى تسديد الودائع. في حين أن صندوق النقد لا يتخذ الموقف نفسه من ديون اليوروبوندز، ويحرص على التفاوض مع الدائنين لتحديد نسبة التسديد المطلوبة.
هذا الموقف يفسّر لماذا يرفض صندوق النقد الاعتراف حتى الآن بأن الأزمة في لبنان أزمة نظامية، ويكتفي بتوصيفها بأنها أزمة غير مسبوقة. إذ يساعده هذا الإنكار، على رفض اقتراح شطب الشوائب من مجموع الودائع، ومن ثم إجراء تقييم للمصارف لشطب الرساميل وإعادة الهيكلة. ويصر على شطب الرساميل قبل شطب الشوائب، مع علمه المسبق أن ذلك سيؤدي إلى إسقاط النظام المصرفي برمته.
هذا الموضوع، بالإضافة إلى موضوع ديون الدولة لمصرف لبنان، ولو أن ظروف الحرب لا تسمح بجعلهما أولوية، إلا أنه ينبغي أن يحظيا باهتمام خاص، لأنهما يتحكّمان لاحقًا بمصير المودعين، وبمصير المشهد المالي في البلد. ولا يستطيع مصرف لبنان أن يتصدّى لوحده لجنوح صندوق النقد، بل يحتاج الأمر إلى ضغط سياسي ينبغي أن تمارسه الحكومة، بدلًا من الاختباء وراء مواقف الصندوق، للتملّص من التزاماتها حيال شعبها الذي تعرّض للسرقة على أيدي دولته.