هكذا قتل "المستضعفون" 11 من يهود لبنان

اختُتمت في العاصمة الإيطالية روما الجولة السابعة من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية، فيما شكّل ملف الأسرى والمفقودين محور اليوم الأخير من الاجتماعات، وفق ما أفاد مصدر مطلع لصحيفة "نداء الوطن"، على أن تستكمل المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية مطلع أيلول.

وأوضح المصدر أن هناك ترجيحًا لإطلاق سراح المدنيين اللبنانيين المحتجزين، بعدما أفرجت إسرائيل عن 4 أسرى سوريين كانت قد احتجزتهم.

وتزامنت الجولة السابعة من المحادثات في روما مع نشر تقارير تناولت قضية اليهود اللبنانيين الذين اختُطفوا في ثمانينيات القرن الماضي وبحسب التقارير، فإن ملف المختطفين والمفقودين ليس خارج إطار الاتفاقات المطروحة إذ تنص الفقرة 13 من "صيغة اتفاق الإطار الثلاثي" الموقع في واشنطن في حزيران، على العمل من أجل "البحث عن الرفات وإعادتها" وإطلاق المحتجزين.

وخلال المحادثات التي عُقدت أمس في روما بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، جرى تبادل لوائح بأسماء المختطفين والأسرى بهدف معرفة مصيرهم ومكان وجود رفاتهم وجثامينهم.

وفي السياق، يطالب أهالي المختطفين اليهود اللبنانيين الموجودين في إسرائيل السلطات الإسرائيلية بالكشف عن مصير ذويهم، ومعرفة أوضاع المختطفين والأسرى لدى حزب الله، سواء كانوا من المدنيين اللبنانيين أو من العسكريين الإسرائيليين الذين قُتلوا أو اختُطفوا خلال الحروب السابقة.

وشكّل الخطف إحدى الأدوات التي اعتمد عليها "حزب الله" خلال مراحل مختلفة كوسيلة ضغط ومقايضة، سواء للمطالبة بالإفراج عن مقاتلين أو عناصر مرتبطة به أو بفصائل مسلحة حليفة.

ويأتي هذا النهج ضمن سياق أوسع مرتبط بعلاقة الحزب الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني وحصوله على دعم سياسي وعسكري ومالي من طهران، إذ نقل الصراع مع إسرائيل من قضية مرتبطة بالأراضي اللبنانية المحتلة.

ولم يكن "الحزب" بعيدًا عن تطبيق نهجه العقائدي، إذ بدأت ملامح مشروعه وأهدافه بالظهور منذ السنوات الأولى لنشأته، فاتّخذ مسارًا مختلفًا عن مفهوم المقاومة الوطنية اللبنانية، عبر ممارسات وسياسات عكست هوية مرتبطة بمشروع "الولي الفقيه" أكثر من ارتباطها بالبيئة اللبنانية.

وفي هذا السياق، وبدءًا من نهاية عام 1983، تصاعد استهداف أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية، في إطار حملة ممنهجة طالت وجودهم وأملاكهم، ما أدّى إلى تفكّك إحدى أقدم الجماعات الدينية في لبنان، وتراجع حضورها بشكل كبير.

وفي 6 شباط 1984، دخل مسلّحون شيعة، برفقة نازحين من جنوب لبنان، إلى حيّ وادي أبو جميل في بيروت، واستولوا على منازل تعود إلى يهود كانوا قد غادروا لبنان أو انتقلوا إلى القسم الشرقي من العاصمة. وترافقت هذه الأحداث مع أعمال نهب وتخريب طالت ممتلكات ومؤسسات يهودية، بينها كنيس "ماغين أبراهام"، الذي تعرّض لأضرار جسيمة، كما أُحرقت محتوياته، وكُتبت على جدرانه شعارات وعبارات معادية لليهود.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1984 و1987، اختفى 11 شخصًا من أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية في عمليات نُسبت إلى "منظمة المستضعفين في الأرض"، التي أعلنت صلاتها بـ"حزب الله". ولا يزال مصير عدد منهم مجهولًا حتى اليوم. وكان الضحايا من المدنيين الذين بقوا في لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية، ولم يُعرف مصير معظمهم.

وفي بياناتها، هددت "منظمة المستضعفين في الأرض" المرتبطة بـ"حزب الله" بإعدام مزيد من الرهائن اللبنانيين من أبناء الطائفة اليهودية في حال عدم الاستجابة لمطالبها ومنها خروج الجيش الإسرائيلي من الجنوب، قبل أن تعلن لاحقًا أنها قتلت جميع الأسرى، وربطت تسليم الجثث بانسحاب إسرائيل الكامل من جنوب لبنان والإفراج عن المقاتلين اللبنانيين والعرب في السجون الإسرائيلية، مقابل جثث المخطوفين اللبنانيين اليهود لديها.

لم يكن الضحايا اللبنانيون المنتمون إلى الطائفة اليهودية طرفًا في الصراع السياسي أو العسكري، بل كانوا مدنيين اختاروا البقاء في لبنان رغم ظروف الحرب. ومع مرور السنوات، تحوّلت قضيتهم إلى ملف إنساني مفتوح، بعدما لم تُعرف حقيقة مصير معظمهم.

راؤول مزراحي

كان راؤول مزراحي أولَ ضحايا هذه السلسلة. خُطف من منزله في منطقة الصنائع في بيروت الغربية في 10 تموز 1984، وكان يملك متجرًا للأدوات الكهربائية، ويبلغ من العمر نحو 50 عامًا. توفّي في 25 تموز 1984، وعُثر على جثته على شاطئ مهجور قرب مطار بيروت.

سليم مراد جاموس

بعد ذلك بفترة قصيرة، اختفى سليم مراد جاموس، أمين سر الطائفة اليهودية، بعدما خُطف في 15 آب 1984، ولم يُعرف مصيره لاحقًا.

حاييم حلاق كوهين

وفي عام 1985، خُطف حاييم حلاق كوهين، وهو محاسب في متجر كبير، في 29 آذار، قبل أن يُعلن مقتله في 26 كانون الأول من العام نفسه. وعُثر على جثته بعد 48 ساعة في وسط بيروت القديمة قرب كنيسة الكبوشية سان لويس، بالقرب من مدخل وادي أبو جميل.

إيلي حلاق

وفي 30 آذار 1985، خُطف الدكتور إيلي حلاق، نائب رئيس الطائفة اليهودية وطبيب الأطفال المعروف في بيروت. كان يُعرف بـ"طبيب الفقراء" بسبب معالجته المرضى من مختلف الخلفيات وتقديمه استشارات مجانية للأطفال غير اليهود.

أفادت زوجته راشيل ببراءته، وطالبت الخاطفين بتقديم دليل على أي اتهام بحقه، مؤكدة أنه بقي في بيروت لخدمة المرضى. وتحدثت تقارير لاحقة عن احتمال احتجازه مع إسحاق ساسون، كما أفاد رهائن غربيون سابقون بأنهم التقوه خلال فترة احتجازهم. توفي حلاق في 18 شباط 1986، من دون أن تتمكن العائلة من استعادة جثمانه.

إيلي يوسف سرور

وفي اليوم نفسه، خُطف إيلي يوسف سرور، وهو تاجر يبلغ 68 عامًا، وكان مسؤولا عن إعداد الموتى للدفن وفق الشريعة اليهودية. توفي في 30 كانون الأول 1986، ولم تُستعد جثته.

إسحاق ساسون

وفي 31 آذار 1985، خُطف إسحاق ساسون، رئيس الطائفة اليهودية ومدير شركة الأدوية "فتال"، أثناء انتقاله من مطار بيروت الدولي إلى مدينة بيروت بعد عودته من رحلة عمل من الإمارات. توفي في 19 حزيران 1987، ولا يزال مكان جثته مجهولا.

إسحاق طراب

وفي 18 نيسان 1985، خُطف إسحاق طراب، أستاذ الرياضيات المتقاعد المعروف دوليًّا، وكان يبلغ 70 عامًا. قُتل في 1 كانون الثاني 1986، وأعيدت جثته إلى العائلة.

يهودا بنيستي وابناه

وفي عام 1986، خُطف يهودا بنيستي، المدير السابق في بنك صفرا، وابنه إبراهيم. أعلنت "منظمة المستضعفين في الأرض" لاحقًا أن بنيستي، الذي وصفته بأنه "عميل للموساد"، وأُعدم بسبب اعتباره "عميلًا" وأعيدت جثة الابن، فيما بقي مصير جثة الأب مجهولاً. كما خُطف يوسف بنيستي، نجل يهودا الآخر، وهو تاجر يبلغ 33 عاماً، في 18 آب 1985. توفي في 30 كانون الأول 1986، ولا تزال جثته مفقودة.

هنري مان

وكان هنري مان الضحية الحادية عشرة، وكان يبلغ من العمر 40 عامًا. ولا يُعرف تاريخ خطفه. توفّي في 30 كانون الأول 1986، ولم يُعثر على جثمانه.

من هنا، يُطرح ملف تعامل "حزب الله" مع المكوّنات اللبنانية، ولا سيما الأقليات، في سياق نقاش سياسي وتاريخي واسع، إذ إن الصحيح أن "الحزب"، منذ تأسيسه، لم يتعامل مع مفهوم الأقليات من منطلق حمايتهم، بقدر ما قام بتدجينهم وترهيبهم وتحوير علاقته بهم وفق مصالحه وأهدافه المنطلقة من ثوابت "الولي الفقيه"، كما لم يتعامل، كمقاومة، بوصفه مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل انطلق من رؤية عقائدية مرتبطة أيضًا بأهدافه السياسية.

وفي هذا السياق، أشار الأستاذ الجامعي المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط، الدكتور مارك أبو عبدالله، إلى أن اليهود اللبنانيين الـ11 الذين تعرّضوا للخطف استُهدفوا بالقتل والخطف والتهديد، إضافة إلى نحو 200 يهودي لبناني قُتلوا خلال الحرب مثل بقية اللبنانيين، مؤكدًا أنهم كانوا مدنيين سلميين.

ما قد يراه البعض أمرًا غريبًا ليس كذلك بالنسبة إلى "حزب الله". فقيام جهة لبنانية بخطف مواطنين لبنانيين من طائفة معيّنة لمبادلتهم مع دولة أخرى بمواطنين لبنانيين آخرين، ضمن ترتيبات عسكرية وأمنية معيّنة، يتعارض مع مفهوم المواطنة والتنوّع الذي يقوم عليه لبنان. غير أن مثل هذه السياسات لا تبدو مفاجئة عندما تصدر عن "حزب الله"، الذي يضع أولوياته السياسية والاستراتيجية المرتبطة بإيران فوق مصالح بقية اللبنانيين ومكوّنات المجتمع.

كما أن إنشاء ما عُرف باسم "منظمة المستضعفين في الأرض" ساهم في ترسيخ خطاب سياسي يقوم على تصوير أبناء الطائفة الشيعية في لبنان على أنهم في موقع الاستضعاف التاريخي، والأمر عكس ذلك؛ فالطائفة الشيعية، كسائر الطوائف اللبنانية، هي مكوّن أساسي من مكوّنات المجتمع اللبناني، إلى جانب المسيحيين والسنّة والدروز واليهود اللبنانيين وغيرهم، وتاريخ لبنان قائم على تعدّد مكوّناته، وليس على تصنيف أي طائفة باعتبارها أقلية أو جماعة مستضعفة.

وردًا على تساؤلات بشأن قدرة القضاء اللبناني على فتح هذه الملفات، قال أبو عبدالله إن "القضاء هو جزء أساسي من مؤسسات الدولة وركيزة في بناء المجتمع، وهو مُلزم بفتح هذه الملفات من أجل تحقيق مصالحة بين الدولة اللبنانية والشعب اللبناني وأبناء الطائفة اليهودية في لبنان، بما يستدعي إطلاق مبادرات تجاه اللبنانيين اليهود للتخفيف من الهواجس التي تحيط بهم".

وأضاف أن "عدّة قضايا عدلية تعود إلى فترة الحرب في لبنان أُعيد فتح ملفاتها اليوم، ومن هنا تقع على عاتق وزير العدل مسؤولية تعيين محقق عدلي وفتح ملف عمليات الخطف والقتل والترهيب التي طالت اليهود في لبنان".

وتابع: "هذا الأمر بالغ الأهمية، لأن الدولة مسؤولة عن جميع الطوائف الموجودة داخل الوطن، ومن بينها اليهود، وتقع على عاتقها مسؤولية حمايتها".

وأظهرت وثيقة صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) بتاريخ 13 كانون الثاني 1986، أن اسم "منظمة المستضعفين" كان يُستخدم كاسم حركي لعناصر من "حزب الله" خلال فترة الثمانينيات. وبحسب الوثيقة، تشير الأدلة إلى أن المنظمة كانت تتألف بشكل أساسي من شيعة متشددين منحدرين من جنوب لبنان.

وأفادت الوثيقة بأن اسم "منظمة المستضعفين" ظهر للمرة الأولى في إعلان مسؤولية عن عملية إرهابية خلال مؤتمر صحافي عقد في 1 تموز 1985 عقب الإفراج عن رهائن طائرة TWA، حيث أعلن عضوان من "حزب الله" مسؤوليتهما عن عملية خطف الطائرة باسم المنظمة، وهددا بالانتقام في حال ردت الولايات المتحدة على لبنان.

ويذكر أنَّ، الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمر بعد زيارة الرئيس جوزاف عون البيت الأبيض، بإعادة تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان ليطوي القرار صفحة بدأت عام 1985، ويفتح الباب أمام استعادة أحد أهم الخطوط الجوية للبنان.

كما أشارت الوثيقة إلى أن بيانًا صدر في بيروت في 18 تشرين الثاني 1985 باسم المنظمة أعلن مسؤوليتها عن اختطاف أربعة أفراد من الطائفة اليهودية في لبنان، كانوا قد اختُطفوا في بيروت الغربية في آذار من العام نفسه.

وذكرت أن المنظمة هددت في بيان صدر في كانون الأول بإعدام الرهائن ما لم تُفرج إسرائيل عن نحو 300 سجين كانوا محتجزين في مركز اعتقال الخيام جنوب لبنان، قبل أن يتم لاحقًا إعدام اثنين من الرهائن.

ووفق الوثيقة، كانت العناصر التابعة لـ"حزب الله" التي تستخدم هذا الاسم الحركي يُرجح ارتباطها بالمعتقلين الشيعة المحتجزين في معتقل الخيام.

تسلسل زمني لأبرز بيانات وتهديدات "منظمة المستضعفين":

1 تموز 1985:

خلال مؤتمر صحافي عقب الإفراج عن رهائن طائرة TWA، أعلن عضوان من "حزب الله"، يُعتقد أنهما من خاطفي الطائرة، أسباب الإفراج عن الرهائن، وحذرا الولايات المتحدة من أي رد انتقامي ضد لبنان.

1 تموز 1985:

صدر بيان في بيروت أعلن مسؤولية المجموعة عن تفجير مكتب شركة TWA في مدريد، إسبانيا.

10 تموز 1985:

تلقى مكتب شركة Pan Am في زيورخ رسالة تهديد باللغة الإنكليزية طالبت بإلغاء رحلات شركتي Pan Am وTWA إلى تل أبيب والقاهرة وزيورخ وجنيف وأثينا وروما وإسطنبول. وهددت الرسالة بتنفيذ "أكبر عملية خطف في العالم" وزعمت أنها زرعت قنابل في محطات الشركتين في مدينة نيويورك، إلا أن الوثيقة تشير إلى عدم الاعتقاد بأن الرسالة كانت تهديدًا حقيقيًا صادرًا عن عناصر من "حزب الله".

18 تشرين الثاني 1985:

أعلنت المنظمة في بيان صادر من بيروت مسؤوليتها عن اختطاف أربعة يهود لبنانيين في بيروت الغربية، وهم: اسحاق ساسون، اسحاق طراب، إيلي سرور، وحاييم حلاق كوهين. واتهمتهم بالتجسس لصالح إسرائيل، وهددت بإعدامهم ما لم تُفرج إسرائيل عن المعتقلين في معتقل الخيام.

28 كانون الأول 1985:

أصدرت المنظمة تهديدًا بقتل الرهائن اليهود المتبقين ما لم يتم الإفراج عن معتقلي الخيام وما لم توقف إسرائيل ما وصفته بـ"إرهابها" في جنوب لبنان.

1 كانون الثاني 1986:

أعلنت المنظمة إعدام رهينة ثانية، هو اسحاق طراب، وقالت إن ذلك جاء "ردًا على الاعتداءات الأخيرة التي نفذتها القوات الإسرائيلية ضد بلدة كونين في جنوب لبنان".

وفي السياق، أكّد مسؤول حكومي لبناني رفيع، عام 1985، أن ستّ شخصيات يهودية لبنانية بارزة، اختُطفت خلال الأشهر السابقة، كانت لا تزال على قيد الحياة، مشيرًا إلى أنها محتجزة لدى "حزب الله"، التنظيم الشيعي المتطرّف الموالي لإيران، بحسب ما نقلته "النشرة اليهودية لشمال كاليفورنيا" عن وكالة الأنباء اليهودية (JTA).

وقال رئيس ديوان الرئيس أمين الجميل، ميشال حايك، في اتصال هاتفي مع صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، إن الرهائن الستّ ما زالوا أحياء. وأضاف أن حاييم حداد أبلغ رئيس المجلس التمثيلي ليهود فرنسا (CRIF) بهذه المعلومات، وأن المجلس تدخل من أجلهم عبر الحكومتين السورية والليبية.

وأشار حايك إلى أن وزير التربية سليم الحص وزعيم "حزب الله" الشيخ محمد حسين فضل الله أكدا هذه المعلومات أيضًا.

وأضاف أن الرئيس أمين الجميل أجرى اتصالات متكررة مع حافظ الأسد وقادة لبنانيين آخرين، في محاولة لتأمين إطلاق سراح المختطفين أو معرفة مصيرهم. وكانت تقارير إسرائيلية قد أشارت قبل ذلك بأسبوع إلى أن المختطفين الستة ما زالوا على قيد الحياة.