المصدر: المدن
الكاتب: راغب ملي
السبت 5 أيلول 2026 13:42:48
من نتفليكس إلى التطبيقات المدفوعة وخدمات الذكاء الاصطناعي، تحولت الضرائب على الاشتراكات الرقمية خلال الأيام الماضية إلى مادة متداولة في مواقع التواصل اللبنانية، حيث تحدثت منشورات عن رسوم جديدة ستفرض على هذه الخدمات، كما ذهب بعضها إلى الحديث عن ارتفاع مرتقب في أسعار الاشتراكات.
وتعود المسألة إلى تعديلات ضريبية مطروحة ضمن مشروع موازنة العام 2027، وتبقى طريقة تطبيقها على الخدمات الرقمية وتحصيلها هي النقطة الأهم بالنسبة إلى المستخدم. وتزامن تداول المعلومات مع مشروع موازنة 2027 الذي أحالته وزارة المالية إلى مجلس الوزراء، ونشرت الوزارة المشروع في 2 أيلول/سبتمبر الجاري. وبين التعديلات الواردة فيه، تبرز قواعد مرتبطة بالخدمات الإلكترونية والرقمية التي تقدم من خارج لبنان.
وبحسب قراءات منشورة لمشروع موازنة 2027، تتضمن التعديلات المقترحة على الضريبة على القيمة المضافة قواعد تتعلق بالخدمات الإلكترونية والرقمية المقدمة من الخارج، من بينها إلزام بعض مزودي الخدمات غير المقيمين بتعيين ممثل في لبنان، وتنظيم موجبات التصريح والسداد.
من هنا دخلت أسماء منصات البث والتطبيقات وخدمات الذكاء الاصطناعي والاشتراكات الإلكترونية المدفوعة، إلى النقاش، باعتبارها أمثلة على الخدمات الرقمية التي يشتريها اللبناني مباشرة من شركات في الخارج. لكن الحديث لا يدور عن رسم مستقل مخصص لمنصة بعينها، كما أن مشروع الموازنة لم يصبح بعد قانوناً نافذاً بصيغته النهائية.
مَن سيدفع الضريبة؟
هذا هو السؤال الذي يعني المشترك مباشرة. إذا اشترك لبناني في منصة أجنبية مقابل عشرة دولارات شهرياً، كيف تحصّل الدولة الضريبة على خدمة تقدمها شركة موجودة خارج أراضيها؟ إحدى الآليات المستخدمة دولياً تقوم على تسجيل الشركة الأجنبية ضريبياً في البلد الذي تبيع فيه خدماتها، لتتولى تحصيل الضريبة المستحقة على الاشتراك وسدادها إلى السلطات الضريبية.
بالنسبة إلى المستخدم، يمكن أن يظهر أثر ذلك في أكثر من صورة. ربما يبقى سعر الاشتراك الأساسي كما هو، وتضاف إليه الضريبة عند الدفع، أو تدخل الضريبة ضمن السعر النهائي الذي تعرضه المنصة للمشتركين في لبنان. مسؤولية الشركة عن تحصيل الضريبة لا تعني بالضرورة أنها ستتحمل عبأها من أرباحها، بل يمكن أن تنتقل الكلفة إلى المستهلك.
ويوجد نموذج آخر يقوم على ربط التحصيل بعملية الدفع، عبر اقتطاع الضريبة عند استخدام وسيلة دفع محلية. إلا أن المعلومات المنشورة عن مشروع الموازنة حتى الآن لا تكفي للجزم بأن لبنان سيتجه إلى هذا النموذج.
والفرق بين الآليتين أساسي. ربط الضريبة بوسيلة الدفع اللبنانية وحدها، يجعل تحديد العملية سهلاً، لكنه يمكن أن يترك مساحة للالتفاف عليها. أما ربطها بمكان استهلاك الخدمة، فيتطلب معايير أوسع لتحديد البلد الذي يوجد فيه العميل فعلياً.
هل يفتح ذلك باب التهرب الضريبي؟
تبرز هنا مشكلة عملية لا يمكن فصلها عن طبيعة الخدمات الرقمية العابرة للحدود، إذ يمكن لمستخدم في لبنان، على سبيل المثال، أن يطلب من قريب أو صديق يقيم في الإمارات أو فرنسا شراء الاشتراك ببطاقته الأجنبية، ثم يحصل على بيانات الحساب ويستخدم الخدمة من لبنان. ويمكن أيضاً أن تكون وسيلة الدفع الأجنبية في حوزة المستخدم الموجود في لبنان.
لهذا السبب، فإن بعض الأنظمة الضريبية الدولية لا يعتمد على البطاقة المصرفية وحدها لتحديد مكان العميل. ويمكن استخدام مؤشرات أخرى، مثل عنوان الفوترة ومعلومات الحساب ومكان الجهاز أو عنوان الإنترنت IP، بحسب النظام المعتمد والقواعد المتعلقة بحماية البيانات.
ولا يمكن وصف شراء الاشتراك من الخارج تلقائياً بأنه تهرب ضريبي، بل يتوقف التوصيف القانوني على النص النهائي: مَن المُلزم قانوناً بالضريبة: الشركة أم المستهلك؟ وما المعيار الذي سيحدد مكان استهلاك الخدمة؟
ويؤثر تصميم الآلية مباشرة في حجم الالتفاف عليها. إذا أصبح الاشتراك أغلى في لبنان، وكان التحصيل مرتبطاً حصراً بوسيلة الدفع المحلية، سيكون من الطبيعي ظهور محاولات للشراء من الخارج، ما قد يضع فعالية الضريبة نفسها أمام تحدٍّ.
الضرائب تلامس الحقوق الرقمية أيضاً
ويفتح تحديد مكان استهلاك الخدمة جانباً آخر، يتجاوز المال إلى الخصوصية والحقوق الرقمية. ويمكن أن تستخدم الأنظمة الدولية الخاصة بالضرائب على الخدمات الرقمية، مؤشرات مثل عنوان الفوترة وبيانات الحساب وعنوان IP لتحديد البلد الذي يوجد فيه المستهلك. وهذا لا يعني أن مشروع الموازنة اللبناني ينص على مراقبة المستخدمين أو جمع هذه البيانات، لكنه يجعل طريقة إثبات مكان الاستهلاك مسألة تستحق التدقيق عند وضع الآلية التنفيذية.
وتناول المنتدى الاقتصادي العالمي في نقاشاته حول الضرائب والاقتصاد الرقمي، أثر النظم الضريبية في التجارة الرقمية والمنافسة وتدفق الخدمات عبر الحدود. ويزداد هذا النقاش تعقيداً عندما تصبح بيانات المستخدم جزءاً من عملية تحديد الولاية الضريبية.
وبالنسبة إلى الحقوق الرقمية، فإن المعيار الأساس هو مبدأ تقليل البيانات: ألا يُجمع عن المستخدم أكثر مما تحتاج إليه عملية تحديد الضريبة. إذا كان إثبات بلد العميل ممكناً من خلال بيانات محدودة، لا يفترض أن تتحول الضريبة إلى مبرر للوصول إلى سجل استخدامه أو نشاطه داخل الخدمة أو معلومات شخصية لا ترتبط بعملية التحصيل.
بيانات المستخدمين...إلى أين؟
ويطرح الأمر أسئلة حول الجهة التي ستحتفظ بهذه البيانات، ومدة تخزينها، وما إذا كانت ستبقى لدى الشركة أم سينتقل جزء منها إلى السلطات، وكيف ستتم حمايتها من التسريب أو الاستخدام لأغراض أخرى.
وهذا الجانب مهم في لبنان تحديداً، حيث ينظم قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018، جمع البيانات الشخصية ومعالجتها، فيما انتقدت منظمات متخصصة في الحقوق الرقمية، من بينها "SMEX"، جوانب في الإطار الحالي، من بينها غياب هيئة مستقلة لحماية البيانات وغموض بعض الضمانات المرتبطة بجمعها ومعالجتها.
لهذا، لن يكون أثر مشروع الموازنة في مستخدمي الخدمات الرقمية، مرتبطاً بقيمة الضريبة وحدها. طريقة التحصيل، والجهة التي ستدفعها، وإمكان الالتفاف عليها، والبيانات المطلوبة لتحديد مكان المستخدم، كلها عناصر ستحدد ما تعنيه هذه التعديلات فعلياً للمشترك اللبناني.