هل تُعيد "دورة التراخيص الرابعة" لبنان الى خريطة الإستكشاف؟

لم يعد التحدّي الحقيقي اليوم أمام لبنان، إثبات وجود النفط والغاز في مياهه، بل استعادة ثقة الشركات العالمية بهذا القطاع الذي أنهكته التأجيلات، والظروف الجيوسياسية والأمنية، والنتائج غير المشجّعة لعمليات الحفر الأولى في البلوكين 4 و 9.

فبعد أكثر من عقد على إطلاق مسار الاستكشاف، لا يزال هذا القطاع يدور بين الآمال الكبيرة والنتائج المحدودة، بينما يُشكّل تعيين مجلس إدارة جديد لهيئة إدارة قطاع البترول، نقطة انطلاق لإعادة تحريك الملف.

وفي ما تتجه الأنظار إلى دورة التراخيص الرابعة، التي يُعوَّل عليها لإعادة إحياء الاهتمام الدولي بالرقع البحرية اللبنانية، تقول مصادر سياسية مطلعة بأنّ وزارة الطاقة والمياه وهيئة إدارة قطاع البترول، تعملان حالياً على مراجعة النظام المالي والإطار التعاقدي لاتفاقيات الاستكشاف والإنتاج، تمهيداً لرفع التعديلات إلى مجلس الوزراء، قبل الإعلان رسمياً عن إطلاق دورة التراخيص الرابعة.

وتهدف هذه المراجعة، تضيف المصادر، إلى جعل الشروط الاستثمارية أكثر تنافسية، بعدما أظهرت التجارب السابقة أنّ الإطار الحالي لم يكن كافياً ، لاستقطاب عدد أكبر من شركات النفط العالمية. ولهذا يتمّ العمل على تعديل الشروط الضريبية والمالية وبعض البنود التعاقدية، لتقليل المخاطر على المستثمرين، ومحاولة جذب شركات جديدة (كبيرة كانت أو متوسطة أو صغيرة) بعد ضعف الإقبال في الدورة الثالثة، الى جانب فتح البلوكات البحرية غير الممنوحة سابقاً للاستثمار.

الموعد الرسمي النهائي لإطلاق دورة التراخيص الرابعة لم يُحدّد بعد، وفق المعلومات، ولكن تتوقّع المصادر أن يحصل فور الانتهاء من العمل المطلوب، وتوافر الظروف السياسية والأمنية اللازمة. وتشير المصادر إلى أنّ وزير الطاقة والمياه جو صدّي، أكّد في كانون الثاني الماضي أنّ العمل جارٍ على إعداد تعديلات على الشروط المالية والتعاقدية، بهدف جعل الدورة أكثر جاذبية للشركات العالمية، وأنّ هذه التعديلات سترفع إلى مجلس الوزراء خلال فترة قصيرة، قبل إطلاق الدورة رسمياً وفتح باب العروض.

أمّا لائحة البلوكات المعروضة فيفترض أن تشمل سائر البلوكات البحرية من 1 إلى 10، باستثناء البلوك 8، لا سيما بعد عودة البلوكين 4 و9 رسمياً إلى الدولة اللبنانية، وإن كانت التوجهات تشير إلى طرح الرقع غير الممنوحة سابقاً، بعد إعادة تقييمها وفق المعطيات الجيولوجية والاقتصادية المستجدة. غير أنّ القرار بوضع اللائحة النهائية للبلوكات، يعود إلى الوزارة والهيئة قبل عرض التعديلات على مجلس الوزراء.

في المقابل، يبقى البلوك 8 المشروع البحري الوحيد الذي لا يزال قيد الاستكشاف. فقد منحه مجلس الوزراء للكونسورتيوم، الذي يضمّ «توتال إنرجيز» و«إيني» و«قطر للطاقة» ضمن الدورة الثانية للتراخيص، على أن يبدأ برنامج العمل الإلزامي بتنفيذ مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد يغطي نحو 1200 كيلومتر مربع، قبل اتخاذ قرار بشأن حفر بئر إستكشافية فيه. وحتى اليوم، لم يصدر أي إعلان رسمي يؤكد انطلاق أعمال المسح الميداني، وفق المعلومات، رغم مرور أشهر على توقيع اتفاقية الاستكشاف والإنتاج.

وتُراهن الحكومة، على ما تلفت المصادر، على تعديل شروط الاستثمار قبل إطلاق الدورة الرابعة، بعدما كشفت التجربة السابقة محدودية اهتمام الشركات العالمية بالسوق اللبنانية، في ظلّ ارتفاع المخاطر السياسية والأمنية، وغياب أي اكتشاف تجاري حتى الآن، في مؤشر واضح إلى استمرار تحفّظ المستثمرين الدوليين على دخول السوق اللبنانية في الظروف الحالية. علماً أنّ هناك مكتشفات بكميات هائلة في الجهة المقابلة للبلوكات الحدودية، ما يُعطي الأمل بوجود مكتشفات تجارية واعدة في الجهة اللبنانية.

وتزداد أهمية هذه الدورة، على ما ترى المصادر نفسها، بعد النتائج التي خلصت إليها أعمال الحفر في البلوك 9، والتي أظهرت وجود مؤشرات غازية من دون إثبات احتياطيات تجارية قابلة للتطوير، الأمر الذي جعل البلوك 8 يمثل الاختبار التالي لقياس الإمكانات الحقيقية للمياه اللبنانية.

ويبقى السؤال الأساسي: هل ستكتفي الدولة بإعادة طرح البلوكات التي أعيدت إليها؟ أم أنّها ستقدّم رؤية جديدة تستجيب لمتطلّبات الشركات الكبرى، وتعيد لبنان إلى المنافسة في شرق المتوسط؟ فنجاح الدورة الرابعة لن يتوقّف على فتح باب التراخيص، وتعديل الشروط المالية أو تحسين بنود العقود فحسب، بل على قدرة الدولة على إقناع المستثمرين، بأنّ البيئة القانونية والتنظيمية أصبحت أكثر استقراراً وجاذبية، وأن قطاع النفط اللبناني دخل بالفعل مرحلة جديدة، بعد سنوات طويلة من الانتظار.