المصدر: اللواء
الكاتب: خالد حماده
الثلاثاء 3 آذار 2026 08:03:25
لم يَحُل إصرار إيران على التمسّك بمشروعها النووي، كما لم تُجدِ مبالغاتُ المفاوض الإيراني في التعويل على محاذير أميركية تكبح خيار القوة، في ثني دونالد ترامب عن المضيّ في اختبارٍ حاسم يُنهي إرثاً طويلاً من الصفقات الملتبسة بين واشنطن وطهران. وهكذا بدا أنّ المواجهة لم تعد احتمالاً نظرياً، بل خياراً يفرض نفسه في لحظة تقاطع الحسابات.
ولعلّ ما سرّع الانزلاق إلى الحرب هو تكاملُ معطياتٍ استخبارية تحدّثت عن اجتماعٍ موسّع للقيادات الإيرانية برئاسة المرشد علي خامنئي، واعتباره هدفاً ثميناً ونادراً قد لا يتكرّر، فكان لا بد من إنطلاق شرارة الحرب.
على الرغم من نجاح الحملة الأميركية – الإسرائيلية الأولى في تحقيق عنصر المفاجأة وتحييد 48 من قادة الصف الأول، وفي مقدّمهم المرشد علي خامنئي، يدرك الرئيس دونالد ترامب أنّ إسقاط نظامٍ راسخٍ وتغيير الدور الإقليمي لدولةٍ مثل إيران، تستمدّ شرعيتها من أيديولوجيا دينية متشددة متجذّرة منذ أكثر من أربعة عقود، لا يمكن أن يتحقق عبر ضربة نوعية خاطفة تستهدف رأس السلطة، على غرار ما جرى في سوريا أو فنزويلا. وهذا يعني حشد كل الطاقات المتاحة لواشنطن وإسرائيل وتحقيق تفوق ميداني يوظف نتائج العملية العسكرية في خدمة انتقال سياسي يضع ايران في مسار مختلف.
إختارت إيران استراتيجية توسيع دائرة الحرب للرد على العملية العسكرية الأميركية بما يتجاوز ما أعلنته عن استهداف القواعد الأميركية في المنطقة إلى تهديد الإقتصاد العالمي عبر مهاجمة مرافق إقتصادية وبنى تحتية ومناطق سكنية في دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى إقفال مضيق هرمز مما يؤدي إلى موقف جديد يجعل العالم برمّته - لا سيما الدول الصناعية - شريكاً في البحث عن حلول تعتقد طهران أنها قادرة على إعادتها إلى دائرة التفاوض بصرف النظر عن خسائرها في الميدان.
في خضمّ هذا الإشتباك الإقليمي–الدولي، قرّرت إيران توسيع ساحة المواجهة بإدخال لبنان إلى قلب الصراع. أطلق حزب الله رشقة صاروخية محدودة تحت عنوان «الثأر للمرشد علي خامنئي والردّ على الاعتداءات الإسرائيلية»، كانت كافية لاستجلاب ضربات جوية وبحرية إسرائيلية مكثّفة طالت الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. وقد أدت وفقاً للإحصاءات الرسمية إلى سقوط 35 قتيلاً وأكثر من 150 جريحاً وتهجير عشرات آلالاف المواطنين، وإلى إطلاق إسرائيل عملية هجومية مفتوحة على لبنان لا زالت مستمرة حتى الآن، فيما اعتبرت واشنطن أن إتفاق وقف إطلاق النار قد سقط وأنها لن تقوم بأي وساطة مع إسرائيل. القرار الإيراني الذي أسقط كل التعهدات بعدم التدخل في الحرب أثبت بما لا يقبل الشك أن حزب الله ليس سوى آداة تنفيذية هشة تقودها طهران عن بعد، كما أثبت عدم جدوى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتطبيق إعلان وقف الأعمال العدائية والتي نفذها الجيش تحت عنوان «احتواء السلاح والحفاظ على الوحدة الوطنية».
تؤكد كثافة الردود الميدانية الإسرائيلية واستعادة استراتيجية اغتيال قادة الصف الأول الجدد وقصف ما تبقَّى من بنى تحتية عسكرية، عدم إمكانية العودة إلى تبادل القصف عبر الحدود وتكريس قواعد إشتباك جديدة. هذا ويوجّه تدمير فروع مؤسسة القرض الحسن رسالة قاسية للدولة اللبنانية التي عجزت عن إستصدار قرار تنفيذي بإقفالها. إلى جانب ذلك فقد وضعت الحكومة الأميركية - بإشارتها إلى سقوط إتفاق وقف الأعمال العدائية - الحكومة اللبنانية أمام استحقاق عالي المخاطر. وبهذا يمكن فهم القرار الذي اتخذته الحكومة والذي مثّل تطوراً نوعياً وغير مسبوق في ممارسة السلطة وفقاً للدستور سواءٌ لجهة رفض التعايش مع ميليشيا مسلحة وإعلان الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون وهو ما درجت عليه حكومات سابقة خلافاً لوثيقة الوفاق الوطني، أو لجهة التوجُّه المباشر القوات المسلحة وتكليفها بمنع حزب الله من القيام بأي عمليات عسكرية أو اطلاق صواريخ أو طائرات مسيَّرة من الاراضي اللبنانية وإلزامه بتسليم سلاحِه إلى الدولة اللبنانية.
يؤشّر قيام الرئيس نواف سلام بتلاوة مقرّرات جلسة مجلس الوزراء والتي تضمّنت، إلى جانب تفويض القوات المسلحة باستخدام جميع الوسائل الكفيلة بضمان التنفيذ في التعامل مع حزب الله، إعلان الإستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنية وبرعاية دولية إلى توجّه حاسم لتجاوز «فوبيا السلاح» إنطلاقاً من كونه واجباً وطنياً تفرضه المصلحة العليا ويكرّسه الدستور - وتجاوز «فوبيا المفاوضات» بما يعكس إدراكاً بأن الانخراط في مسار تفاوضي لا يشكّل تنازلاً عن مكتسبات وطنية، بل تأكيداً على تثبيت حدود لبنان الدولية كما ترعاها اتّفاقية الهدنة، وترسيخاً لمرجعية الدولة في إدارة الصراع.
يتوقف نجاح الحكومة في عبور لبنان إلى إستقلال حقيقي على استعادة مصداقية افتقدتها جراء التنفيذ المجتزأ لإعلان وقف الأعمال العدائية وذلك يقتضي:
أولاً: المبادرة وبسرعة إلى تحديد وإعلان السقف الزمني للإنتهاء من مسألة حصرية السلاح في كل لبنان وليس في شمال الليطاني وذلك بتحويل الخطة المرحلية إلى خطة شاملة،
ثانياً: المواكبة الإعلامية اليومية والموسّعة لنشاط القوات المسلحة للتأكيد على ما يتم إنجازه خلافاً لما كان يحصل سابقاً حيث أقتصرت التغطية الإعلامية على جولات ميدانية نظمت للرد على حملات التشكيك،
ثالثاً: تفعيل أجهزة وإدارات الدولة لا سيما الأمنية والقضائية والخدماتية في المناطق التي يتم إخلاءها من السلاح بما يمثله من إنتاج لمواطنية جديدة تقوم على أنقاض زبائنية مزمنة.
فهل تلاقي الحكومة هذه المرة طموحات اللبنانيين......