هل تلغي إسرائيل الترسيم طمعاً بأكثر؟

في الوقت الذي يبدي فيه لبنان الرسمي استعداده للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، جاء إعلان وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين الأحد أن حكومته تدرس إلغاء ترسيم الحدود البحرية مع لبنان ليعيد الخلاف البحري إلى الضوء مجدداً وسط التوتر الإقليمي الحاد حول إمدادات الطاقة وتزايد أهمية الغاز في ميزان الأمن الاقتصادي لدول المنطقة، كما ليطرح علامات استفهام كبيرة حول النوايا الإسرائيلية تجاه لبنان، وما إذا كان هذا الموقف المستجد بالتزامن مع خطوات متقدمة طرحها لبنان في شأن التفاوض على اتفاق يهدف إلى وضع مزيد من الضغط على الحكومة اللبنانية من أجل دفعها إلى اتخاذ الإجراءات التنفيذية لالتزاماتها السابقة في شأن بسط سيادتها وحصرية السلاح في يد مؤسساتها الشرعية.

والمفارقة أنه فيما يعتبر خبراء نفط في لبنان أن الترسيم شكل تنازلاً لبنانياً عن حقوق مكتسبة ولا سيما بعد التراجع عن الخط الشهير 29 إلى الخط 23، قال كوهين إن الاتفاقية المبرمة من قبل حكومة سابقة لم تكن اتفاقية حقيقية بل وثيقة استسلام وفق ما نقلت عنه وكالة بلومبرغ، معتبراً ان لبنان حصل على كامل المنطقة المتنازع عليها مقابل تعهد غامض بتحسين أمن إسرائيل، وهو تعهد لم يتم الالتزام به.

وهذا الكلام يعني، بقطع النظر عن بنود الاتفاقية التي سمحت لإسرائيل باستكمال استخراج النفط، فيما لبنان تخلف عن الاستفادة منها منذ توقيعها قبل اربعة أعوام، يؤشر إلى أن إسرائيل باتت تربط بين الملفات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية المتصلة بالعلاقة بلبنان، تمهيداً لأي تفاوض مباشر مقبل سيكون على رزمة متكاملة لا تضمن فيها تل أبيب أمنها فحسب، وإنما مصالحها الاقتصادية. وعليه، فإن التهديد لم يعد يقتصر على الجانب العسكري، بل يذهب أبعد في تهديد مصالح لبنان الاقتصادية، تماماً كما فعلت ولا تزال في تهديدها بضرب البنى التحتية وتقويض البنية الاقتصادية للبنان.

والواقع أن لبنان الرازح اليوم تحت وطأة الضربات الإسرائيلية، فشل في استغلال تلك الاتفاقية خلال الأعوام الماضية بالرغم من حالة الاستقرار النسبي التي ارستها بعد أن وضعت حداً للنزاع البحري القائم، فلم تعمد الحكومة إلى بدء التنقيب في البلوك رقم 9، أو حتى تبين ما هي إمكانات لبنان النفطية والغازية في تلك المنطقة. ولم يتحرك في الواقع هذا الملف إلا قبل شهرين تقريباً عندما أعاد لبنان إطلاق هذا الملف عبر توقيع اتفاق التنقيب عن الغاز في البلوك رقم ٨ مع تحالف "توتال إنرجي" و" إني" و"قطر بتروليوم" بهدف إجراء المسح الزلزالي تمهيداً لحفر بئر استكشاف، فيما تستعد وزارة الطاقة لإطلاق دورة التراخيص الرابعة لجذب الشركات الدولية. وهذا امر توقف حكماً راهناً تحت وطأة الحرب.

لا مصلحة لإسرائيل في إلغاء الاتفاقية إذا قرر لبنان العودة إلى المطالبة بالخط 29 حدوداً للترسيم أو المطالبة بما تنازل عنه في حقل كاريش، على نحو يمكن أن يستعيد المساحة التي خسرها وكانت موضع خلاف داخلي خلال مرحلة التفاوض، وتبلغ نحو 1450 كلم مربع. علماً ان المدافعين عن الاتفاقية يرون أنها مكنت لبنان من استعادة نحو 850 متراً من المناطق البحرية التي كانت موضع نزاع مع إسرائيل إضافة إلى حصوله على حقل قانا الغازي من دون دفع اي تعويضات مالية. لكن إسرائيل لا تخشى هذا الأمر لأن الغاء الاتفاقية في ظل إحكامها سيطرتها على جزء كبير من الحدود البرية التي قد تصل إلى العمق اللبناني وصولاً إلى الأولي كما يُخشى، ستدفعها إلى طلب المزيد، وربما وضع اليد على مساحات أكبر تقضم فيها ما أمكنها في البحر كما تفعل في البر، تحت ذريعة حماية امنها النفطي الحدودي، بعدما تخلف لبنان عن تنفيذ التزاماته بموجب الاتفاقية.

وثمة خبراء يحذرون من أن يؤدي إلغاء الاتفاقية من الجانب الإسرائيلي كما تلوّح تل أبيب، إلى استهداف "حزب الله" حقل كاريش، ما يمكن أن ينقل الحرب إلى مستوى متقدم ويفتح البلاد على مرحلة جديدة من حرب من دون افق!