هل تنتصر لغة العقل في طهران؟

لم تعد الخلافات داخل دوائر القرار في طهران مجرد تباين في التكتيك أو اختلاف في تقدير الموقف، بل تبدو أقرب إلى صراعٍ مكتوم حول مستقبل إيران نفسها: فريقٌ سياسي وديبلوماسي يرى أن إنقاذ البلاد يمرُّ عبر التفاوض وتقديم تسويات واقعية، وجناح متشدد في الحرس الثوري ما زال يراهن على توسيع المواجهة، واستنزاف الخصوم بواسطة الصواريخ والمسيّرات والأذرع المنتشرة في المنطقة.

ومثل هذه المؤشرات تعني أن النظام الإيراني أصبح على شفير انقسام معلن، لأن مؤسساته لم تعد محكومة بمرجعية واحدة وبحسابات أمنية دقيقة. وهي تكشف في الوقت نفسه اتساع الفجوة بين من يقرأ الأوضاع من داخل غرف العمليات العسكرية، ومن يلمس التداعيات اليومية للحرب على الاقتصاد والمجتمع وقدرة الدولة على الصمود.

من هنا تكتسب كلمات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف دلالة استثنائية، عندما حذّر من أن «الذين يدعون إلى التصعيد إنما يدفعون إيران إلى حرب استنزاف لا نهاية لها».

قاليباف ليس سياسياً بعيداً عن المؤسسة العسكرية، بل هو أحد أبنائها السابقين، ولذلك يبدو تحذيره أقرب إلى مراجعة صادرة من داخل البيت الإيراني، وإقرار بأن استمرار الحرب لم يعد دليلاً على القوة، بل قد يتحول إلى طريق منهجي لاستنزاف الدولة والشعب والنظام معاً.

وربما يكمن السبب الأعمق وراء اندفاع الحرس الثوري نحو التصعيد في خوفه على موقعه داخل النظام الإيراني نفسه، لا على مصالح إيران الاستراتيجية فحسب. فجانب أساسي من نفوذه وموارده وشرعية دوره يقوم على إدارة الأذرع المسلحة خارج الحدود، من حزب الله في لبنان إلى الفصائل الموالية لطهران في العراق والحوثيين في اليمن. ولذلك فإن التسليم بمفاوضات تضع حداً للدعم العسكري والمالي لهذه الأذرع، وتنهي استخدامها أوراقاً في الصراع الإقليمي، قد يعني تقليص وظيفة الحرس الخارجية، وانحسار تأثيره في القرار الداخلي. ومن هنا يصبح تمسّكه باستمرار المواجهة دفاعاً عن بقائه ونفوذه بقدر ما هو دفاع عن عقيدة سياسية أو أمنية. فنجاح الديبلوماسية لا يسحب فتيل الحرب وحسب، بل يطرح السؤال الأصعب: ما الحاجة إلى إمبراطورية عسكرية عابرة للحدود إذا عادت إيران دولةً طبيعية تتعامل مع محيطها بمنطق المصالح والتعاون، لا بمنطق الأذرع والساحات؟.

لقد باتت إيران تواجه حصاراً اقتصادياً ومالياً متصاعداً، وتراجعاً في قدرتها على تصدير النفط وجذب الاستثمارات وتأمين العملات الصعبة، في وقت تتناسل فيه الأزمات المعيشية، من التضخم والبطالة وتراجع قيمة العملة، إلى أزمات الطاقة والدواء والمواد الأساسية. ومع كل يوم إضافي من الحرب، ترتفع كلفة إعادة بناء المنشآت المتضررة، وتتآكل احتياطات الدولة، ويصبح تمويل الجبهات الخارجية عبئاً يفوق قدرة الاقتصاد الإيراني على الاحتمال.

أما العودة إلى حرب مفتوحة، ولا سيما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، فقد تمنح واشنطن مساحة سياسية أوسع لتشديد الضربات والحصار، وتفتح الباب أمام استهداف جديد للمنشآت العسكرية والنووية والبنى التحتية.

غير أن جناح التصعيد يواصل توسيع ساحات الاشتباك، معتمداً بصورة خاصة على الحوثيين الذين حققوا تقدماً خطيراً باتجاه باب المندب وفرضوا نفوذاً على أجزاء حيوية من الساحل اليمني، بما يهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وقد ترافق ذلك مع هجمات بالصواريخ والمسيّرات على منشآت حيوية ومدنية في السعودية، وصولاً إلى المسيّرة التي أعلنت الرياض اعتراضها جنوب مكة المكرمة. لكن مجرد وصول الخطر إلى محيط مكة يشكل تجاوزاً بالغ الخطورة، ويفتح جرحاً عميقاً في وجدان المسلمين، لا يمكن تبريره تحت أي شعار سياسي أو عسكري.

إن تحويل باب المندب إلى ورقة ابتزاز، وتهديد أمن السعودية ومرافقها المدنية والاقتصادية، لا يحمي إيران ولا يُحسِّن شروطها التفاوضية، بل يوحِّد خصومها، ويدفع الدول المتضررة إلى بناء تحالفات عسكرية أشد صلابة ضدها. كما يمنح المتشددين في واشنطن وإسرائيل الذريعة التي يحتاجونها لتوسيع الحرب، والانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة إضعاف إيران من الداخل.

الواقعية التي ينادي بها الفريق الديبلوماسي ليست استسلاماً، كما يحاول المتشددون تصويرها، بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لأن السؤال اليوم ليس ما إذا كانت إيران قادرة على إطلاق مزيد من الصواريخ، بل ما إذا كانت تملك شجاعة إيقافها في اللحظة المناسبة. وانتصار لغة العقل في طهران لن يكون هزيمة لإيران، بل انتصاراً لشعبها، وإنقاذاً للمنطقة من حرب قد تبدأ بقرار متهوِّر، ولا يعرف أحدٌ أين تنتهي.