هل تهدّد عودة سوريا إلى الاقتصاد العالمي دور لبنان؟

على امتداد سنوات الحرب السوريّة، تولّى لبنان، بحكم الجوار أكثر ممّا بحكم التخطيط، جزءًا من وظائف اقتصاديّة تعطّلت داخل سوريا أو تعذّر عليها الاتصال المباشر بالخارج.

فحين تراجعت حركة المرافئ السّوريّة، ازدادت أهميّة بيروت وطرابلس. وحين صار العبور في سوريا أكثر صعوبة، ارتفعت قيمة المستودع والناقل والوسيط اللّبنانيّ. ومع العقوبات وانكماش القنوات الماليّة السوريّة، وجدت شركات وأموال وأعمال طريقها إلى لبنان. هذه، لم تكن تلك نهضةً لبنانيّة، ولا يصحّ اختزال الكلفة الهائلة للحرب على لبنان بهذه المكاسب القطاعيّة. لكنّها أنتجت ما يمكن تسميته "ريع الانقطاع"؛ أي القيمة التي يكتسبها الوسيط حين تتعطّل الطرق المباشرة.

اليوم، يتغيّر الشرط الذي أنتج هذا الريع. فسوريا تحاول استعادة اتصالها بالاقتصاد العالميّ، وهو ما قد يؤدي الى عودة الاستثمارات إلى مرافئها ومطاراتها وطرقها. وهذا يفتح للبنان، بلا شكّ، سوقًا كبيرة في بلد يحتاج إلى إعادة بناء. لكنّه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا أقلّ حضورًا في النقاش اللّبنانيّ: كيف ستُعاد قسمة الوظائف الاقتصاديّة بين البلدين في حال استعادة سوريا قدرتها على أداء ما كانت تؤدّيه بنفسها؟

المسألة، بهذا المعنى، ليست "فرصة أو خسارة". إنّها سؤال عن موقع لبنان في اقتصادٍ مشرقيّ يعيد ترتيب طرقه ومرافئه ومراكز ثقله.

ريع الانقطاع

ظهر أثر الحرب باكرًا في المرافئ. ففي آب 2013، ارتفعت حركة الحاويات في مرفأ بيروت بنحو 25 في المئة عن الشهر نفسه من العام السابق، في وقت أشارت MEED إلى أنّ خطوط شحن أخذت تتجنّب المرافئ السوريّة وتتّجه إلى بيروت. أمّا الحاوية لا تعني رسمًا للمرفأ فقط، بل وكيل شحن وشاحنة ومستودعًا وتأمينًا وتخليصًا جمركيًّا وخدمات مرتبطة بها. لذلك، لا تُقاس وظيفة المرفأ بعدد الحاويات وحده، بل بالنشاط الذي ينشأ حول مرورها.

هذا تحديدًا ما قد يتغيّر. وقّعت دمشق مع "CMA CGM" عقدًا لثلاثين عامًا لتطوير محطة الحاويات في اللاذقيّة باستثمارات تبلغ 230 مليون يورو. وتستهدف الشركة رفع طاقة المحطة إلى أكثر من مليون حاوية نمطيّة سنويًّا وربطها بالطرق والسكك الحديديّة، وفق الشركة.

وفي طرطوس، بدأت "DP World" تنفيذ امتياز لثلاثين عامًا يتضمّن استثمارات بقيمة 800 مليون دولار. وفي تمّوز 2026 أعلنت الشركة وصول أولى الرافعات الجديدة، التي يُفترض أن ترفع قدرة مناولة البضائع بنحو 40 في المئة.

الأكثر دلالةً جرى على اليابسة. في أيّار 2026، انطلق قطار شحن تجريبي بين اللاذقيّة وعدرا بعد انقطاع دام 14 عامًا، بالتزامن مع اتفاق مع "CMA CGM" لتشغيل ميناءين جافّين في عدرا وحلب، وفق رويترز.

أي إنّ سوريا لا تسعى إلى استعادة المرفأ وحده. إنّما تحاول إعادة وصل المرفأ بالمستودع والسكة والسوق الداخليّة. وهذه هي الحلقات نفسها التي اكتسبت قيمتها اللبنانيّة حين تعطّلت داخل سوريا.

رأس المال الذي قد لا يأتي إلى بيروت

في المال، القصّة أكثر تركيبًا. خلال الحرب والعقوبات، أودعت مصارف سوريّة جزءًا من سيولتها في لبنان. وبعد الانهيار المصرفي اللبناني، تحوّلت وظيفة الملجأ المالي إلى عبء على أصحاب الأموال أنفسهم. وفي 2025، قدّر حاكم مصرف سوريا المركزي انكشاف المصارف السوريّة على لبنان بأكثر من 1.6 مليار دولار، من أصل 4.9 مليارات دولار من الودائع في المصارف التجاريّة السوريّة، وفق رويترز.

كما وثّق Beirut Urban Lab تأسيس سوريّين انتقلوا بعد 2011 أعمالًا صغيرة ومتوسّطة في بيروت. ولا توجد بيانات موثوقة تسمح بتقدير كتلة واحدة اسمها "رأس المال السوري في لبنان"، ولذلكَ سيكون الادّعاء بأنّها ستعود كلّها إلى دمشق أقرب إلى التخمين منه إلى التحليل. لكنّ السؤال الأهمّ يتعلّق بالمستقبل، لا بالماضي.

الخطر على وظيفة لبنان ليس فقط أن يغادره رأس مال موجود، بل أن يصبح رأس المال الجديد المتّجه إلى سوريا قادرًا على الوصول إليها من دون المرور به أصلًا.

بعد رفع الولايات المتحدة العقوبات الاقتصاديّة الشاملة في 2025، وفق وزارة الخزانة الأميركيّة، ورفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصاديّة، بدأت التدفقات تأخذ مسارًا مباشرًا. وفي آب 2025 أُعلن عن اتفاقات استثماريّة في سوريا بنحو 14 مليار دولار، بينها مشروع بقيمة أربعة مليارات دولار لتوسعة مطار دمشق الدولي ورفع طاقته المخطّطة إلى 31 مليون مسافر سنويًّا، وفق أسوشيتد برس.

وهنا يتبدّل معنى المنافسة. فالمطار ليس مدرجًا وحسب، بل شحن وسياحة أعمال وفنادق ومكاتب ونقل وخدمات. والمرفأ ليس رصيفًا، بل منظومة لوجستيّة. والمصرف ليس مكانًا لحفظ المال، بل وسيلة لتمويل التجارة والاستثمار.

حتى العقار اللّبنانيّ قد يشعر بهذا التحوّل، وإن كان قياسه أصعب. فعودة جزء من الأسر وأصحاب الأعمال السوريّين تعني تراجعًا محتملاً في الطلب على بعض الإيجارات والمكاتب والخدمات. وقد عاد أكثر من 238 ألف سوري من لبنان خلال 2025، وفق المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

الجغرافيا تعود إلى العمل

المنافسة المقبلة قد تكون أكبر من المرفأ والعقار معًا. فالمنطقة تعيد رسم ممرّاتها التجاريّة. "الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا"، أو "IMEC"، يريد وصل الهند بالخليج ثمّ أوروبا عبر شبكة من المرافئ والسكك. وفي أحد أبرز تصوّراته، تؤدّي الموانئ الإسرائيليّة، خصوصًا حيفا، وظيفة الخروج من البرّ إلى المتوسّط.

في المقابل، أعلن وزير النقل التركي في حزيران 2026 العمل على خط سكك يربط السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا وصولًا إلى أوروبا خلال ثلاث إلى أربع سنوات، وفق رويترز.

هذه ليست تفاصيل هندسيّة. إنّها منافسة على مَن يستضيف الطريق، ومَن يحصل على الخدمات والاستثمار والنشاط الذي ينشأ حوله.

إذا مرّت التجارة الخليجيّة باتجاه حيفا، تكتسب إسرائيل وظيفةً لوجستيّة. وإذا صعدت عبر الأردن وسوريا إلى تركيا، تستعيد سوريا وظيفة العبور وتتعزّز مكانة تركيا. وإذا أصبحت اللاذقيّة أو طرطوس منفذًا لشبكات أوسع نحو المتوسّط، قد تتوسّع الوظيفة السوريّة مجدّدًا.

أمّا الحديث عن مشروع إسرائيلي معلن لربط إسرائيل بتركيا عبر سوريا، فلا يزال أسبق من الوقائع. قد يصبح المسار ممكنًا إذا حصلت تسوية سوريّة إسرائيليّة مستقبلًا، لكنّ المشروع الموثّق حاليًّا يسير في اتجاه السعودية والأردن وسوريا وتركيا.

المشكلة اللبنانيّة أكثر بساطة: لبنان ليس حاضرًا تلقائيًّا في أيّ من هذه الخرائط. ولا يملك شبكة سكك حديديّة عاملة، فيما يحتاج مرفآه ونظامه الجمركي إلى تحديث، وقطاعه المصرفي لا يزال في انتظار إعادة الهيكلة.

الجغرافيا وحدها لا تكفي. الممرّ يذهب حيث العبور أسرع، والكلفة أقلّ، والتمويل متاح، والقانون أوضح.

ماذا بقي من "ميزة لبنان"؟

هذا يعيدنا إلى المشكلة الأصليّة. لبنان اعتاد أن يتعامل مع الموقع كما لو كان موردًا طبيعيًّا لا ينضب. نحن بين سوريا والبحر، إذن لا بدّ أن يحتاج الآخرون إلينا. لكنّ الجغرافيا الاقتصاديّة ليست الخريطة المدرسيّة. الممرّ التجاري يذهب حيث الكلفة أقلّ، والزمن أقصر، والمرفأ أسرع، والمصرف قادر على التمويل، والقانون أكثر وضوحًا.

وفي لبنان، ما زال القطاع المصرفي ينتظر إعادة الهيكلة، فيما انكمش الاقتصاد بنحو 40 في المئة منذ 2019. صحيح أنّ البنك الدولي يتوقّع نموًّا يقارب 4 في المئة في 2026 إذا استمرّ الإصلاح والاستقرار، لكنّ هذا لا يعيد تلقائيًّا الوظيفة الإقليميّة القديمة.

لهذا قد تكون إعادة إعمار سوريا فرصةً للبنان، لكن ليس بالمعنى المريح المتداول. سوريا ليست ورشةً تنتظر المقاول اللبناني عند الحدود، بل اقتصاد يحاول أن يستعيد المرفأ والمطار والمصرف والطريق والسوق التي خسرها.

والتعافي السوري لن يكون خسارةً للبنان لأنّ سوريا تصبح أقوى. سيكون خسارة فقط إذا كشف أنّ جزءًا ممّا حسبه لبنان قوّةً اقتصاديّة لم يكن سوى ضعفٍ سوريّ مؤقّت. لسنوات، استفاد لبنان من سؤال: كيف تصل إلى سوريا حين تكون سوريا مغلقة؟ المرحلة المقبلة تطرح سؤالًا ليس باللطيف: لماذا تمرّ بلبنان، إذا صار بإمكانك أن تذهب مباشرةً إلى سوريا؟