هل حانت ساعة التورّط الحوثي في الحرب؟

أقحمت غالبية أذرع إيران، أو من تبقى منها على قيد الحياة في المنطقة، نفسها في الحرب الأميركية - الإسرائيلية الطاحنة الدائرة ضدّ نظام الملالي المترنح في طهران. "حزب الله" في لبنان سارع إلى "زجّ أنفه" في الحرب إسنادًا لآيات الله في طهران أولياء نعمته، ضاربًا بعرض الحائط تداعيات استجرار آلة الحرب الإسرائيلية إلى ربوع لبنان. الفصائل العراقية المسلحة والتي تدين بالولاء المطلق لإيران، حذت حذو "حزب الله" وزجت كذلك "بلاد الرافدين" في أتون الحرب، من خلال استهدافها المصالح الأميركية والغربية، خصوصًا في كردستان العراق.

بيد أن المفارقة كمنت في عدم تورّط الحوثيين في اليمن في الحرب حتى الآن، رغم إعلانهم منذ اليوم الأوّل لبدء الحرب على إيران، عزمهم على التدخل نصرة لها. وبدا لافتًا الظهور الأخير قبل يومين لزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، الذي جدّد تأكيد اصطفافه بجانب طهران، إلّا أنه تفادى إعلان دخول جماعته عسكريًا في المنازلة الدائرة، مكتفيًا بالتلويح بالأمر. تريّث "أنصار الله" مردّه إلى حسابات عسكرية وسياسية داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.

عسكريًا، يدرك قادة الحوثيين خير إدراك أن تورّطهم في حرب إسناد نظام الملالي الآيل للسقوط، من خلال قصفهم إسرائيل أو ربما القواعد الأميركية في المنطقة، ستكون عواقبه العسكرية وخيمة عليهم، وسيستجرّ ضربات أميركية وإسرائيلية جديدة ومباشرة عليهم، ستكون حتمًا قاصمة هذه المرة، وستهدد بنيتهم العسكرية التي يتفاخرون بها، بعدما بنوها على مر سنين في اليمن. وإذا كانت جماعة الحوثي تمتلك ترسانة لا بأس بها من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي طاولت سابقًا عمق الدولة العبرية وبعض الدول الخليجية، وتمكّنت من شلّ بعض الممرات البحرية، خصوصًا المؤدية إلى الموانئ الإسرائيلية، إلّا أن إمكانات الجماعة العسكرية تبقى محدودة ومتواضعة، في إطار حرب إقليمية واسعة ومتشعبة، إذا ما قورنت بالترسانتين العسكريتين المهولتين الأميركية والإسرائيلية.

علاوة على ذلك، يعتبر المراقبون أن إيران، راعية الحوثيين، تفضل "ادّخار" ورقتهم العسكرية "القوية" في الوقت الراهن، والاحتفاظ بخيار التصعيد من اليمن إلى مرحلة لاحقة، حال توسّع الحرب إقليميًا، وهو ما يترك للحوثيين هامشًا واسعًا للمناورة العسكرية والسياسية، ويعزز موقعهم بين الأذرع الإيرانية الأخرى التي باتت شبه معطوبة، بفعل الحروب الإسرائيلية عليها. لطالما أجادت طهران استخدام أذرعها الإقليمية كأوراق ضغط وفق توقيتها، من دون أن تدفعها جميعًا دفعة واحدة إلى مواجهاتها العابرة للحدود. وهنا يمكن لنظام الملالي الإمساك بورقة تهديد الملاحة البحرية، التي يبرع بها الحوثيون إلى حد ما، في البحر الأحمر، لشهرها في وجه أعدائه، في التوقيت الذي يراه مؤاتيًا له.

سياسيًا، يحرص "أنصار الله"، من خلال عدم دخولهم الحرب حتى الآن، على الحفاظ على مكتسبات سياسية راكموها على مر سنين في اليمن. فمنذ تراجع وتيرة المعارك الداخلية، ودخول البلاد في شبه هدنة غير معلنة بين الأفرقاء المتحاربين، تمكّن الحوثيون من إحكام قبضتهم الأمنية والسياسية والحياتية على مناطق شاسعة في البلاد، وأضحوا يكرّسون انتقالهم التدريجي من كونهم حركة مسلّحة بحتة، إلى سلطة أمر واقع، تُعنى بشؤون اليمنيين وشجونهم الكثيرة. وبالتالي، يقدّر الحوثيون أن تورّطهم المباشر في الحرب إلى جانب إيران راهنًا، ربما يُعيد إشعال فتيل الجبهة اليمنية، حيث "الجمر تحت الرماد"، ما يمنح خصومهم في الداخل فرصة ذهبية لإعادة ترميم صفوفهم وتنظيمها، استعدادًا لتحقيق مكاسب عسكرية على حسابهم.

في المحصلة، إذا كانت مصلحة الحوثيين تكمن راهنًا في عدم دخول الحرب بصورة مباشرة لمؤازرة نظام آيات الله، حفاظًا على مكتسباتهم السياسية الداخلية، إلّا أن هذا لا يعني أن تدخلهم سيكون خيارًا أو موضع نقاش، متى حانت ساعة تورّطهم في الحرب، وطلبت منهم طهران، وليّة نعمتهم، ذلك. وخير دليل على ما ينتظر "السيناريو" اليمني، هو "السيناريو" اللبناني، حيث لم "يرف جفن" لـ "حزب الله" عندما كانت الاعتداءات الإسرائيلية متواصلة على لبنان طيلة 15 شهرًا، بينما هبّ نصرةً لنظام الملالي، فور تبلّغه بـ "أمر العمليات" الصادر من مخابئ طهران.