المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الجمعة 6 آذار 2026 08:04:27
على رغم أن التمديد لمجلس النواب يبدو مبرراً على الأقل بالحرب الجديدة التي انخرط فيها "حزب الله" ضد إسرائيل "ثأراً" لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، فإنه يضيف عاملاً جديداً يثقل على المأزق الكبير الذي بات يواجه لبنان على أكثر من مستوى وإعادته من الحزب إلى الوراء ناسفاً جهود إعادة بناء الدولة الذي انطلق مع هذا العهد وسعيها لامتلاك قرار الحرب والسلم. فهذا التدهور الجديد دفع لبنان إلى أزمة مزدوجة، يواجه في خلالها صراعاً داخلياً مفتوحاً ومواجهة إقليمية أوسع خارجة عن قدرته.
فحتى لو اتخذت الدولة القرارات المناسبة في موضوع حظر الشق العسكري لـ"الحزب"، فإن الحزب نسف عملانياً كل ما قامت الدولة به في جنوبي الليطاني وأكملت إسرائيل هذا النسف الذي يرجح أن يثير أسئلة كبيرة في ضوء إعلان إسرائيل أنها استهدفت "مواقع إطلاق قذائف صاروخية وصواريخ عدة للحزب تم تخزينها جنوبي نهر الليطاني بالإضافة إلى ورشة لإنتاج طائرات مسيرة ومسيرات درون". والاسئلة التي تتوالى تبعاً لذلك تتصل بما إن كان يبقى اتفاق وقف الاعمال العدائية قائماً علماً بأن مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة أكد على لسان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام التزام لبنان هذا الاتفاق فيما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد بدوره في اتصالات أعلن عن إجرائها قبل يومين مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كما مع رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ضرورة التزام اتفاق وقف الأعمال العدائية.
لكن المتغيرات المتسارعة باتت تسبق عناوين الاتفاق وبنوده وتجعلها غير ذات قيمة مع ترجيح عدم إمكان العودة إليها في الوقت الذي حاول الحزب التنصّل من الاتفاق وعدم التزامه من إسرائيل أيضاً. وهذه الأخيرة تنشر قواتها على مسافة لا بأس بها داخل لبنان بذريعة حماية المستوطنات الإسرائيلية الشمالية من الهجمات فيما قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الجيش الإسرائيلي سيسيطر على أراضٍ في جنوب لبنان لمنع هجمات "حزب الله" المباشرة على البلدات الإسرائيلية الشمالية. ولبنان الذي يكثف اتصالاته الديبلوماسية حاصداً إجماعاً خارجياً على دعم الدولة وقرارتها يصطدم بالعجز عن تنفيذ هذه القرارات وامتلاك أي أوراق تسمح للدول المؤثرة بالضغط على إسرائيل وقف اعتداءاتها في ظل تجاوز الحزب إرادة الدولة وقراراتها في الدرجة الأولى وعدم المونة عليه لوقف عملياته.
هذا المأزق لا يمنع استمراره إذا توقفت الأعمال العسكرية غداً لا سيما إن كانت ستتوقف على قواعد تبقي الكثير من الأمور عالقة إذا انتهت المواجهة مع إيران من دون ضربة مدمرة حاسمة للحزب تثبت هزيمته العسكرية بحيث لا يمكنه تثمير "مقاومته" مجدداً. وهذا أيضاً يرتبط في جزء كبير منه بمآل ما ستنتهي إليه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران وفي جزء آخر بمآل الحرب الإسرائيلية على الحزب مهما كان مدى الغضب الذي بات يثيره في الداخل أو مدى تفاهة الخطاب الذي يتذرّع به مسؤولوه لتبرير تدمير لبنان وتجاهل ذلك في الوقت نفسه. وهذه النقطة بالذات المتعلقة ببقاء الحزب "ممانعاً" مهما تكن قدراته يختلف عليها كثر في ظلّ توقعات لا تخلو من مقدار كبير من التمنّي بأن يؤدي إضعاف إيران بالحد الأدنى إلى فقدان الحزب أي هامش يمكنه من الاستمرار أو أن يكون ثمناً من الأثمان لبقاء النظام الإيراني. وبعض هذه التوقعات يقوم على اقتناع راسخ بأن هذه العمليات العسكرية التي يخوضها الحزب والتي لا يمكن الاعتداد بوقعها أو بحجمها كمؤشر على تراجع قدراته ومحدوديتها، ستكون خاتمة معاركه ربطاً بجملة أمور واعتبارات من بينها الموقف الأخير الدولة اللبنانية. لكن ما تضمره إيران يرتبط بعدم قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإعلان عن انتصار سريع وإطالة أمد الحرب ولو في الحد الأدنى من قدرات إيران قد تؤدي إلى وقفه الحرب وربما الانسحاب، ما يتيح لها أن تكون المفاوضات مختلفة عما يُفرض عليها.
هل كان لبنان سينجو من تداعيات الحرب الإقليمية مع إيران لو لم يعلن الحزب انخراطه "ثأراً" لخامنئي ورداً على الاعتداءات الإسرائيلية في الدرجة الثانية كما قال؟ حين سارعت إيران إلى استهداف دول الخليج العربي لإثارة المزيد من الفوضى والضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب في محاولة لإنقاذ النظام، بدا صعباً جداً إن لم يكن مستحيلاً تحييد لبنان، إذ إن الحزب ووكلاء إيران كانوا سيتدخلون أيضاً للدفاع عن طهران ورفدها بما يساعدها على زيادة كلفة الحرب وضمان امتدادها ولا سيما إن كانت تعيد الحزب إلى الواجهة ممسكاً بالقرار الذي انتُزع منه بعد هزيمته في حرب إسناد غزة ومستعيداً أوراقاً كان قد فقدها.