المصدر: إرم نيوز
الأربعاء 26 آب 2026 19:46:56
تقترب إسرائيل من انتخابات الكنيست المقررة، في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط سباق سياسي لا يبدو أن نتائجه ستمنح أي معسكر أغلبية واضحة تسمح له بتشكيل حكومة مستقرة دون مفاوضات شاقة.
وكشفت صحيفة "معاريف" عن نقاشات داخل حزب الليكود، ومحيط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بشأن سيناريو حكومة تناوب مع رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، إذا انتهت الانتخابات دون حصول أي من المعسكرين على 61 مقعداً.
ووفق ما نشرته "معاريف"، فإن الصفقة تضمن انتقال نتنياهو، لاحقاً، إلى منصب رئيس الدولة، في صيغة يمكن أن توفر مخرجاً سياسياً له، وتمنح آيزنكوت ضمانة بشأن تنفيذ اتفاق التناوب.
ولا تقوم الانتخابات الإسرائيلية على انتخاب رئيس الوزراء مباشرة، وإنما يختار الناخبون قوائم حزبية للكنيست المؤلف من 120 مقعداً، فيما تحتاج الحكومة إلى أغلبية برلمانية تبلغ 61 مقعداً للحصول على الثقة، وتثبيت قدرتها على الحكم.
وتصبح هذه المعادلة أكثر تعقيداً عندما تتوزع المقاعد بين عدد كبير من الأحزاب والكتل، بحيث لا يكون الحزب صاحب المركز الأول بالضرورة هو القادر على تشكيل الحكومة.
وتشير استطلاعات الرأي في إسرائيل إلى تقدم حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت على حزب الليكود في عدد من القياسات، مع استمرار عجز كل من المعسكرين عن الوصول إلى أغلبية واضحة،
لماذا آيزنكوت؟
يعد آيزنكوت أحد أبرز التحديات التي تواجه نتنياهو حالياً، حيث يتقدم في استطلاعات الرأي، وهو يدخل المنافسة من خلفية عسكرية وأمنية تمنحه القدرة على مخاطبة جزء من الناخبين الذين ظل الأمن بالنسبة إليهم مجالاً تقليدياً لتفوق الليكود.
وتكشف نتائج الاستطلاعات أن آيزنكوت أصبح منافساً مباشراً لنتنياهو على صورة القيادة الأمنية، وهو ما يضع نتنياهو أمام معضلة مختلفة عن تلك التي واجهها مع خصوم سياسيين تقليديين، فقد أظهرت آخر الاستطلاعات أن 43% من الإسرائيليين يفضلون آيزنكوت رئيساً للوزراء مقابل 34% لنتنياهو، لكن هذا لا يحسم الأمر، فرئيس الوزراء في إسرائيل لا يُنتخب مباشرة من الناخبين.
أزمة ثقة
وتبدو العقبة الأكبر أمام هذا السيناريو تتجاوز مسألة حسابات المقاعد، لتذهب نحو مسألة الثقة، فإسرائيل خاضت تجربة حكومة تناوب بين نتنياهو وبيني غانتس العام 2020، وانتهت التجربة دون وصول غانتس إلى رئاسة الحكومة وفق اتفاق التناوب، ولهذا فإن إقناع آيزنكوت بالدخول في اتفاق مشابه لن يكون أمراً سهلاً، خاصة إذا كان سيُطلب منه أن يثق بأن نتنياهو سيسلمه المنصب في الموعد المتفق عليه.
ومن الناحية الدستورية، لا يُنتخب رئيس إسرائيل عبر الاقتراع الشعبي المباشر، وإنما ينتخبه الكنيست بالاقتراع السري، ولمدة واحدة تبلغ 7 سنوات، كما أن منصب الرئيس يختلف جذرياً عن منصب رئيس الوزراء، إذ يتولّى الرئيس دور رئيس الدولة، ويمارس صلاحيات رسمية ورمزية، فيما تبقى السلطة التنفيذية في يد الحكومة ورئيسها.
وبالتالي، فإن الحديث عن انتقال نتنياهو إلى الرئاسة لا يعني ترقية من منصب إلى آخر، بل يعني نهاية محتملة لمساره كرئيس للحكومة مقابل انتقاله إلى موقع مختلف في بنية الدولة.
تسوية أم مخرج؟
يقول المحلل السياسي بلال العضايلة إن نتنياهو أمضى سنوات طويلة في رئاسة الحكومة، ويواجه، الآن، منافسة من شخصيات أمنية تمتلك القدرة على اختراق قاعدته الانتخابية.
وبحسب ما يقوله العضايلة لــ "إرم نيوز"، فإن حكومة التناوب قد تبدو في ظاهرها حلاً لمأزق تشكيل الحكومة، لكنها في جوهرها يمكن أن تتحول إلى آلية لإعادة ترتيب مستقبل نتنياهو السياسي بطريقة تحفظ له موقعاً مؤثراً بدلاً من خروجه الكامل من المشهد.
ويضيف أن المشكلة الأساسية ليست في فكرة التناوب نفسها، وإنما في أن التجربة السابقة مع غانتس التي جعلت أي اتفاق جديد يحتاج إلى ضمانات غير مسبوقة، ولذلك فإن ربط التناوب بمنصب رئاسة الدولة قد يكون محاولة لإنتاج حافز سياسي لنتنياهو كي يقبل فعلياً بالتخلّي عن رئاسة الحكومة في موعد محدد.
الحسم في توزيع المقاعد
في المقابل، يرى المحلل السياسي رياض منصور أن التعامل مع سيناريو التناوب باعتباره خطة جاهزة قد يكون مبالغاً فيه، فمسألة توزيع المقاعد وحده سيحدد حجم الخيارات المتاحة أمام الأحزاب الإسرائيلية.
ويشير منصور لـ "إرم نيوز" إلى أن حكومة تناوب بين نتنياهو وآيزنكوت لا تصبح واقعية إلا إذا عجز الطرفان عن تشكيل ائتلاف منفرد، وأصبح استمرار الجمود السياسي أكثر كلفة من التوصل إلى تسوية واسعة.
ومن هذا المنظور، يرى منصور أن الحديث عن رئاسة الدولة قد يكون جزءاً من اختبار الأفكار الممكنة أكثر منه اتفاقاً سياسياً قائماً، فالرئيس في إسرائيل يُنتخب من الكنيست، وبالتالي فإن أي انتقال لنتنياهو إلى هذا المنصب سيحتاج إلى توافق سياسي واسع لا يمكن ضمانه مسبقاً.
ويرى أن العامل الأكثر حسماً سيكون قدرة كل طرف على بناء ائتلاف بعد الانتخابات، وليس عدد المقاعد الذي يحصل عليه الحزب الأكبر وحده، فإذا اقترب أحد المعسكرين من 61 مقعداً، يصبح سيناريو التناوب أقل جاذبية، أما إذا جاءت النتائج موزعة بصورة تمنع تشكيل حكومة مستقرة، فقد تكون حكومة الوحدة أكثر واقعية.
معادلة نتنياهو الأصعب
وتزداد صعوبة الحسابات أمام نتنياهو مع ظهور أحزاب يمينية جديدة قد تسحب أصواتاً من معسكره، خاصة أن تجاوز نسبة الحسم شرط أساسي لدخول الكنيست، وأن الأصوات التي تذهب إلى قوائم لا تتجاوزها لا تتحول إلى مقاعد، وقد حذّر نتنياهو نفسه علناً من أن تشتت أصوات اليمين قد يؤدي إلى خسارة مقاعد حاسمة.
بالمحصلة لا تزال فكرة حكومة التناوب بين نتنياهو وآيزنكوت، في إطار السيناريوهات التي يجري بحثها داخل الليكود، ولم تشكل اتفاقاً سياسياً معلناً، كما أن انتقال نتنياهو مستقبلاً إلى رئاسة الدولة يبقى احتمالاً بعيداً يحتاج إلى توافق سياسي وانتخابه من الكنيست، فيما طرح الفكرة بحد ذاته يكشف حجم المأزق الذي تستعد له المنظومة السياسية الإسرائيلية.