المصدر: النهار
الكاتب: نادر عزالدين
الأحد 15 آذار 2026 12:28:39
في الحرب، لا تُقاس القوة بعدد الضربات، بل بقدرة الخصم على قلب المعادلة.
منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية، انتقل الصراع إلى سؤال أكثر تعقيداً: هل تمهّد هذه العمليات لسيناريو مختلف، قد يصل إلى تدخل بري أميركي للسيطرة على أهم نقطة في منظومة الاقتصاد الإيراني؟
هذا السؤال لا ينفصل عن طبيعة الجزيرة نفسها. فجزيرة خرج ليست مجرد مساحة جغرافية صغيرة في الخليج، بل تُعدّ الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، إذ يمر عبرها ما بين 90% و95% من الشحنات النفطية وفق مركز دراسات الشرق الأوسط الاقتصادية، ويعتمد الاقتصاد الإيراني على تدفقها اليومي الذي يتراوح بين 1.3 و1.7 مليون برميل في الظروف الطبيعية. ومن هنا، فإن أي تفكير بالسيطرة عليها يعني الانتقال إلى محاولة التأثير المباشر في بنية الاقتصاد الإيراني لدفع الجمهورية الإسلامية للاستسلام.
هل السيطرة على خرج ممكنة؟
رغم التصريحات الأميركية التي توحي بامتلاك خيارات مفتوحة، فإن سيناريو السيطرة البرية يطرح تحديات عملياتية كبيرة. ويشير تقرير في "واشنطن بوست" إلى أن وحدات الرد السريع الأميركية، ومنها الفرقة 82 المحمولة جواً، قادرة على الانتشار خلال 18 ساعة لتنفيذ مهام تشمل الاستيلاء على مطارات وبنى تحتية حيوية وتعزيز مواقع ديبلوماسية. وقد أثار إلغاء تدريبات لهذه القوة تكهنات داخل دوائر عسكرية بشأن احتمال إعادة توجيهها مع اتساع نطاق التوتر.
إلا أن جاهزية التدخل السريع قد لا تكفي، فتعطيل صادرات خرج بالكامل يتطلب عمليات مستدامة واسعة النطاق.
وتُظهر التجارب خلال الحرب العراقية الإيرانية أن الجزيرة تعرّضت لضربات مكثفة ضمن ما عُرف بـ"حرب الناقلات"، وارتبط استنزافها بتطورات عسكرية بحرية شملت عمليات أميركية عسكرية، إلا أن تعطيلها الكامل تطلّب سنوات من الضغط المتواصل. كما أن أي وجود بري دائم سيجعل القوات عرضة لهجمات مباشرة في بيئة قريبة من البر الرئيسي الإيراني.
لماذا تُعد خرج هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية؟
تتمتع الجزيرة بمرسى طبيعي عميق يسمح باستقبال ناقلات النفط العملاقة، بخلاف معظم السواحل الإيرانية الضحلة، وترتبط بحقول النفط عبر شبكة أنابيب تمتد تحت الخليج. ويصفها خبراء بأنها عقدة مركزية في أمن الطاقة الإقليمي.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الطاقة التخزينية فيها تبلغ عشرات ملايين البراميل، مع قدرة تحميل مرتفعة يومياً، ما يجعلها ركيزة أساسية في تمويل الموازنة الإيرانية التي تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للعملة الصعبة. وأي تعطيل مستدام قد يؤدي إلى تراجع حاد في الإيرادات، وانخفاض الاحتياطات النقدية، وضغط مباشر على قدرة الدولة على دفع الرواتب ودعم السلع الأساسية.
وتحذّر تحليلات صادرة عن مؤسسات مالية، بينها تقديرات من "جي بي مورغان"، من أن السيطرة الكاملة على خرج قد تؤدي إلى توقف شبه كامل للصادرات وخسارة نسبة كبيرة من مصادر النقد الأجنبي، فيما تشير تحليلات اقتصادية أخرى إلى أن تدمير البنية التحتية سيجعل إعادة تشغيلها عملية طويلة ومعقدة.
كيف يمكن أن يكون الرد الإيراني؟
أكدت طهران استعدادها لمواجهة أي سيناريو. وشدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع قناة "إن بي سي"، على أن بلاده استعدت لمواجهة أي سيناريو، موجها رسالة تحذير شديدة اللهجة للقوات الأميركية قائلا: "نحن في انتظارهم.. نحن واثقون من قدرتنا على مواجهتهم، وسيكون ذلك كارثة كبيرة لهم".
وعبر حسابه في منصة إكس وجه عراقجي رسالة إلى ترمب قال فيها "السيد الرئيس، لقد فشلت الخطة (أ) التي أُعدت لتحقيق نصر عسكري سريع ونظيف. أما خطتكم (ب) فستكون فشلا أكبر".
ولم يذكر عراقجي تفاصيل حيال ما يقصده بـ"الخطة ب"، إلا أن تصريحاته الأخيرة ترجح أنه يقصد احتمال الغزو البري الأميركي لإيران، وربما جزيرة خرج.
في موازاة ذلك، أعلن الحرس الثوري أن المصالح الأميركية في المنطقة، وخاصة في الخليج العربي، قد تُعتبر أهدافاً مشروعة في حال استمرار الضربات، مع تهديدات مرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ونقلت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية عن المتحدث باسم الحرس الثوري علي محمد نائيني قوله: "إننا في انتظارهم.. نوصي الأميركيين قبل اتخاذ أي قرار أن يتذكروا الحريق الذي استهدف ناقلة النفط الأميركية العملاقة بريدجتون عام 1987 وناقلات النفط التي استُهدفت مؤخراً".
إنّ استخضار هذه الحادثة التاريخية وربطها بالحاضر، هي إشارة إلى قدرة إيران على استخدام أدوات غير تقليدية للرد.
ما هي التداعيات الإقليمية والدولية؟
أي اضطراب واسع في جزيرة خرج لن يقتصر أثره على إيران، بل قد يمتد سريعاً إلى أسواق الطاقة العالمية. فبحسب التقديرات، أي هجوم كبير أو تعطيل طويل الأمد لمنشآت التصدير قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط، الذي تجاوز أصلاً حاجز المئة دولار لبرميل خام برنت.
غير أن التأثير لا يتوقف عند جانب العرض الإيراني فقط، إذ إن طهران هددت بردّ يشمل توسيع نطاق التوتر والاستهدافات لتطال بنى تحتية طاقوية في دول مجاورة.
فضلاً عن إبقاء مضيق هرمز مغلقاً أمام السفن، وأكثر من ذلك، هناك مخاوف جدية من دخول الحوثيين على خط الحرب وتولي مهمة إعلاق باب المندب، وبهذا نكون قد أغلقت أهم شريانين حيويين لتجارة النفط والسلع في العالم، ما سينعكس فوراً على أسواق الطاقة والتأمين والشحن البحري، ويرفع كلفة الإمدادات عالمياً.
ومن المرجح أن تتفاعل الأسواق مع أي إشارات على احتمال استهداف منشآت تصدير أو تخزين في المنطقة، نظراً لاعتماد الاقتصاد العالمي على تدفقات مستقرة من الخليج. وفي حال اتسعت رقعة التصعيد لتشمل البنية التحتية للطاقة في دول المنطقة.
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن اضطراب الصادرات الإيرانية، ولا سيما المتجهة إلى الصين، سيضيف بعداً إضافياً إلى الحسابات بين واشنطن وبكين، في ظل حساسية الطاقة ضمن التوازنات الاقتصادية العالمية. أي خلل في الإمدادات قد يعيد رسم أولويات القوى الكبرى، ويزيد من تعقيد إدارة التوتر في بيئة دولية تتسم أصلاً بتقلبات في أسواق الطاقة.
بالمحصلة، رغم ضخامة الورقة الاستراتيجية التي تمثلها خرج، تبقى واشنطن أمام معادلة دقيقة. فالسيطرة على الجزيرة أو إخراجها من الخدمة كلياً يتطلب حملة مستدامة وواسعة النطاق، وهو ما يجعل الكلفة مرتفعة اقتصادياً وعسكرياً. وأي قرار بشأنها قادر على التأثير في أسواق الطاقة الدولية، وإعادة تشكيل مسار المواجهة.