هل ينجح الإطار الثلاثي في كسر الحلقة المفرغة في لبنان؟

كلما أظهر الجيش اللبناني قدرة أكبر على فرض حصر السلاح بيد الدولة، ازدادت الضغوط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية والانسحاب تدريجاً من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت سيطرتها. لكن تحقيق هذا الهدف، في غياب قيادة أميركية فاعلة وآلية دولية واضحة، يبقى صعباً. فالمطلوب ليس مجرد إدارة الهدنة، بل تحويل التفاوض إلى مسار يقود إلى استعادة الأرض وتعزيز سيادة الدولة وإرساء سلام مستدام.
يوفر الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة فرصة لكسر الحلقة المفرغة التي تحكم الصراع منذ عقود. وتحاول الوساطة الأميركية الانتقال من إدارة النزاع إلى معالجة جذوره، من خلال تعزيز الدولة اللبنانية وإضعاف القدرات العسكرية لـ"حزب الله"، وصولاً إلى نزع سلاحه. غير أن نجاح هذه الخطة يتوقف على مجموعة من الشروط، أبرزها الإرادة السياسية اللبنانية، وقدرة الجيش على تنفيذ مهمته، ومرونة إسرائيل، والحد من النفوذ الإيراني، إضافة إلى دعم دولي تقوده واشنطن.
تنفيذ محدود 
وافق لبنان من حيث المبدأ، على حصر السلاح بيد الدولة، إلا أن التنفيذ لا يزال محدوداً، خصوصاً في ما يتعلق بتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله". وتركز المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل على معالجة التهديدات وتبادل المعلومات وتجنب الاحتكاك الذي تخشى بيروت أن يؤدي إلى مواجهة داخلية.
تدرك الحكومة اللبنانية أن الانسحاب الإسرائيلي لن يكون سريعاً، فيما لا يزال الجيش يتقدم بحذر في المناطق التي كان للحزب نفوذ واسع فيها. وتتمثل الأولوية اللبنانية في الحصول على التمويل والتجهيزات والدعم الدولي لتعزيز قدرات الجيش. في المقابل، يكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الانسحاب مرتبط بتفكيك القدرات العسكرية للحزب ومنع إعادة بناء ترسانته.

وهنا تكمن العقدة الأساسية: لبنان يطالب بوقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب وعودة النازحين وإطلاق إعادة الإعمار، بينما تعتبر إسرائيل أن الأولوية هي لإزالة التهديد العسكري الذي يمثله "حزب الله".
وبذلك تستمر الحلقة المفرغة: إسرائيل تعتبر عملياتها ضرورية لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، بينما يستخدم الحزب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية لتبرير احتفاظه بالسلاح وتقديم نفسه قوة مقاومة. أما الدولة اللبنانية فتجد نفسها بين ضغطين: داخلي لمنع الانزلاق إلى مواجهة أهلية، وخارجي لإثبات قدرتها على فرض سيادتها.

ويهدف الإطار الثلاثي إلى كسر هذه المعادلة من خلال ربط نزع سلاح "حزب الله" بالانسحاب الإسرائيلي ضمن مسار تدريجي تشرف عليه الولايات المتحدة. وقد تم استبعاد الأمم المتحدة وباريس لفشلهما في وقف النار وتطبيق القرار ١٧٠١. وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن تريد تقليص العمليات العسكرية الإسرائيلية تمهيداً لانسحاب لاحق، من دون تقديم التزامات نهائية لأي من الطرفين.

بدأ تنفيذ التفاهمات عبر مناطق تجريبية، حيث انتشرت وحدات من الجيش اللبناني رغم المخاطر الأمنية، وحققت نتائج أولية. وتقترح بيروت توسيع هذه المناطق بالتوازي مع التعجيل في الانسحاب الإسرائيلي، بينما تفضل إسرائيل أولاً اختبار قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته في مناطق لا يزال الجيش الإسرائيلي موجوداً فيها.


 

هل الجيش قادر؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يستطيع الجيش تفكيك البنية التحتية العسكرية لـ"حزب الله" ومنع عودة مقاتليه وإعادة بناء قدراته؟

تؤكد بيروت أن الجيش يحتاج إلى دعم مادي وتقني واستخباراتي كبير للقيام بهذه المهمة. فتفكيك المنشآت العسكرية يتطلب قدرات في الاستخبارات والهندسة واللوجيستيات وحماية الحدود، إضافة إلى توفير الموارد اللازمة للجنود والوحدات المنتشرة على الأرض.

وفي المقابل، تواصل إسرائيل ضرب البنية التحتية للحزب، وإن بوتيرة أقل استجابة للضغوط الأميركية. وتتهم بيروت الحزب بمحاولة إعادة بناء قدراته، ما يزيد صعوبة مهمة الجيش ويضع الحكومة أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية.

البعد الإقليمي والدولي

توازيا، لا يمكن فصل نجاح الإطار عن العامل الإيراني. فاستقرار لبنان يتطلب الحد من تدفق الأسلحة والأموال والدعم العسكري إلى "حزب الله"، وضبط القنوات التي يمكن أن تسمح بإعادة بناء قدراته.

وتبرز إعادة الإعمار بدورها ساحة نفوذ رئيسية. فالجهة التي ستتولى تمويل الإعمار ستملك تأثيراً سياسياً كبيراً في الجنوب ولبنان عموماً. ويمكن الدول العربية أن تؤدي دوراً مهماً في هذا المجال، من خلال تقديم دعم مالي وسياسي يوازن النفوذ الإيراني.

كذلك تستطيع سوريا المساهمة في ضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة، إذا توافرت الإرادة السياسية والتعاون الأمني بين بيروت ودمشق، إضافة إلى معالجة الملفات الحدودية العالقة التي يمكن أن تستخدمها التنظيمات المسلحة لتبرير استمرار نشاطها.

أما في مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، فتدرس الأمم المتحدة ودول أوروبية خيارات مختلفة لضمان استمرار المراقبة والدعم الأمني. غير أن استبدال بعثة دولية بأخرى لن يكون حلاً كافياً - وتستبعد إسرائيل أيّ دور أمني لباريس وأنقرة - إذا أدى إلى إعادة إنتاج النموذج السابق. المطلوب آلية أصغر وأكثر تحديداً تركز على المراقبة والتحقق والتدريب والهندسة واللوجيستيات، وتساعد الجيش اللبناني من دون أن تحل محله.

يبقى أن العامل الحاسم هو الدور الأميركي. فالولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على تنسيق المسارات السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية في وقت واحد. ولذلك ينبغي أن يستمر تنفيذ الإطار الثلاثي بصورة تدريجية، بحيث ترتبط كل مرحلة بمدى قدرة الجيش اللبناني على فرض سلطة الدولة، ويتم التحقق من النتائج عبر آلية متفق عليها.

وكلما أثبت الجيش قدرته على بسط سيطرة الدولة وتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" ومنع إعادة تسليحه، تراجعت الحاجة إلى الوجود العسكري الإسرائيلي وازدادت فرص الانسحاب.

وفي المقابل، ينبغي أن تكون المساعدات الدولية للجيش اللبناني مرتبطة بأداء واضح وقابل للتحقق، لا أن تتحول إلى دعم مفتوح من دون نتائج.

أما ديبلوماسياً، فيجب إبقاء الملف اللبناني منفصلاً قدر الإمكان عن أي مواجهة أميركية - إيرانية، والتركيز على تثبيت الأمن اللبناني وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي المحصلة، لا يكفي أن ينجح الإطار في تثبيت هدنة جديدة. المطلوب تحويله إلى مسار سياسي وأمني طويل الأمد ينهي تدريجاً منطق الحرب والردع المتبادل، ويضع احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني في قلب المعادلة. وإذا تمكنت واشنطن من الحفاظ على هذا المسار ومنع الأطراف من العودة إلى منطق القوة، فقد يشكل الإطار الثلاثي فرصة نادرة لاستبدال عقود من إدارة الصراع بتسوية أكثر استدامة، تمهد في نهاية المطاف لعلاقات سلمية بين لبنان وإسرائيل.