هيئة إدارة قطاع البترول "معطّلة": الغاز والثروة بيد السياسيين!

لو خُيّر كثيرون من اللبنانيين بين استخراج ثروة لبنان الغازية والنفطية وتسليم إدارتها للسياسيين، وبين تركها في عمق المياه لفضّلوا على الأرجح الخيار الثاني. وليس لسبب سوى لانعدام ثقتهم بحُسن إدارة الثروة الغازية والنفطية وحماية عائداتها وتوظيفها في المكان السليم. فالآمال بنجاح العائدات الغازية والنفطية في إخراج لبنان من أزمته المالية والاقتصادية ضئيلة جداً، بالنظر إلى المستوى العالي للفساد الإداري في لبنان، والخلافات الجذرية بين الأفرقاء السياسيين، الذين يتسابقون لتقاسم إدارة ملف النفط والغاز وتحاصص مغانمه لاحقاً.

سلك لبنان مساراً طويلاً من التفاوض مع إسرائيل حول ترسيم الحدود، بما يضمن ثروته الطبيعية. وصلت عملية التفاوض إلى خواتيمها وشارفت الدولة اللبنانية على توقيع اتفاق نهائي، عقب إعلان رئاسة الجمهورية قبول الصيغة النهائية للعرض الأميركي حول ترسيم الحدود. حضرت شركة توتال إلى لبنان، وبدأت المشاورات في سبيل الإسراع ببدء التنقيب في حقل قانا.. يجري كل ذلك، في ظل غياب تام لمن يفترض أن يكون هيئة ناظمة للنفط والغاز في لبنان. أين هي هيئة إدارة قطاع البترول اليوم؟

 

هيئة البترول معطّلة

في معظم دول العالم المنتجة للنفط، تلعب هيئتها الناظمة دوراً رئيسياً في إدارة ملف الثروة النفطية. وتصل صلاحياتها لدى بعض الدول، ومنها بريطانيا، إلى إعطاء التراخيص وإبرام العقود. أما في لبنان، فلم يتجاوز دور هيئة إدارة قطاع البترول الدور الاستشاري الخاضع لوصاية وزارة الطاقة ورقابة رئاسة الحكومة، والموجّه كلّياً من قبل المنظومة السياسية التي تقاسمت تعيين أعضاء الهيئة وفق معايير طائفية. رغم تواضع الدور الاستشاري إلا أن الهيئة لعبته في السنوات الست الأولى بعد تشكيلها، أي من العام 2012 وحتى العام 2018. ومنذ ذلك الحين لا دور يُذكر للهيئة. أما اليوم فتكاد تفقد وجودها كلّياً.

 

انتهت ولاية هيئة إدارة قطاع البترول نهاية العام 2018. ومنذ ذلك الحين تعمل الهيئة بالتكليف، بالرغم من أن مرسوم إنشائها أتاح لها التجديد لمرّة واحدة، غير أن الحكومات المتعاقبة لم تجدد للهيئة ولم تشكّل هيئة جديدة. وكأنها بذلك تتعمّد تعطيل مهامها. ولأن رئاسة الهيئة موزّعة مداورة على الاعضاء الستة، كل عضو يتولى الرئاسة لسنة، وقد صودف تولي وليد نصر رئاسة الهيئة في السنة الأخيرة من ولايتها الأولى، استمر نصر في منصب الرئيس حتى اليوم، ولكن بالوكالة.

 

أما أعضاء الهيئة الباقون، وهم خمسة، فقد ترك اثنان منهم (نتحفظ عن ذكر اسميهما) الهيئة من دون الإعلان عن ذلك رسمياً. وباشر العضوان أعمالهما بعيداً عن الهيئة. أحدهما أبرم عقد عمل خارج لبنان. باختصار، تحوّلت هيئة إدارة قطاع البترول في السنوات الأخيرة إلى هيئة فاقدة للصلاحية، وهو ما يُترجم المشهد اليوم الذي وصلت فيه الدولة اللبنانية إلى مشارف إبرام اتفاق رسمي مع اسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية وما تحويها من ثروة غاز ونفط، في ظل غياب تام لهيئة إدارة قطاع البترول. وكيف يمكن للشركات العالمية أن تثق بالجانب اللبناني وهو يفتقد لأدنى معايير إدارة الغاز والنفط، هيئة ناظمة؟ ولنا في تجربة الكهرباء وانعدام وجود هيئتها الناظمة مثال كارثي.

 

تأسيس للفساد

تأسست هيئة إدارة قطاع البترول في العام 2012، بموجب المرسوم 7968/2012، وقد تم تشكيلها من قبل الطوائف الممثلة في السلطة السياسية. فجاءت الهيئة على قاعدة 6 و6 مكرر أي 3 اعضاء مسلمين و3 مسيحيين وكل عضو ينتمي إلى فرع طائفي، ومن بين الأعضاء ما لا يزيد عن 3 فقط متخصصون بشؤون النفط.

 

وللتذكير، تتألف هيئة إدارة قطاع البترول "المعطّلة اليوم" من ست وحدات، هي التالية: وليد نصر رئيساً لوحدة التخطيط الاستراتيجي، ناصر حطيط وحدة الشؤون الفنية والهندسية، وقد تخطّى حطيط السن القانونية لأعضاء الهيئة (إذ ينصّ نظامها الداخلي على عدم تخطي العضو سن الـ58 عاماً، وتالياً عدم تخطيه سن الـ64 عاماً عند انتهاء ولاية الهيئة)، وسام شباط رئيساً لوحدة الجيولوجيا والجيوفيزياء، كابي دعبول رئيساً لوحدة الشؤون القانونية، وسام الذهبي رئيساً لوحدة الشؤون الاقتصادية والمالية، وعاصم أبو ابراهيم رئيساً لوحدة الجودة، الصحة، السلامة، والبيئة QHSE.

 

باختصار، وحسب المحاصصة الطائفية الواضحة باختيار أعضاء الهيئة، لم يكن ممكناً لها أن تتمتع باستقلالية في قراراتها كما يتيح لها القانون من حيث الشكل. ويُضاف ذلك إلى أن عمل هذه الهيئة لا يخضع لرقابة الهيئات الرقابية الثلاث، التفتيش المركزي، ديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية. ومن هنا بالتحديد يتم التأسيس للفساد في ملف النفط والغاز.

ويبقى الخوف من أن تتولى السلطة السياسية إدارة قطاع النفط والغاز، في ظل غياب الهيئة أو وجودها.