المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الأحد 19 نيسان 2026 00:47:46
كحركة "البورصة" صعوداً ونزولاً، يسير مسار التفاوض بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. فالتقدم في المفاوضات، ووقف النار، انعكس إيجابياً على وضع المنطقة وخصوصاً لبنان الذي يعيش هدنة هشة. أما التراجع أو التعثر في المفاوضات، فينعكس توتراً في المنطقة وفي لبنان أيضاً. فبعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تحقيق تقدم كبير مع إيران والاتفاق على مختلف الملفات العالقة، ولا سيما وقف التخصيب وتسليم اليورانيوم المخصب بدرجة عالية، ووقف دعمها لحلفائها في المنطقة، جاء الرد الإيراني سريعاً على لسان رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الذي نفى ما قاله ترامب، فيما جاء الرد العملي من الحرس الثوري الإيراني الذي أغلق مضيق هرمز، وأطلق النار على سفن حاولت عبوره. ما إن برزت هذه الأجواء السلبية حتى تردد صداها في بيروت، من خلال تحذيرات وجهها حزب الله لمناصريه والأهالي بعدم البقاء في الجنوب أو الضاحية، خوفاً من تجدد الحرب، إضافة إلى تأكيد الحزب مجدداً أنه سيرد على أي استهداف إسرائيلي، إضافة إلى الرد على عمليات تفجير القرى الجنوبية وعلى ما أعلنه الإسرائيليون بشأن الخط الأصفر.
بذلك، ربط حزب الله مجدداً الملف اللبناني بالملف الإيراني، وهو يترقب التحركات الإسرائيلية، كما أن إيران تترقب التحركات الأميركيةـ ويعتبر المسؤولون الإيرانيون أن مواصلة أميركا عملية حصار إيران، واستقدام المزيد من التعزيزات العسكرية يشيران إلى الاستعداد للدخول في الحرب مجدداً، وهذا ما تتحسب له طهران وتعلن استعدادها للتعاطي معه عسكرياً، المنطق نفسه ينطبق على حزب الله أيضاً، الذي يعتبر أن لبنان استفاق بعد الهدنة على واقع جديد سياسياً، وميدانياً. فسياسياً، اعتبر حزب الله أن كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون والذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل والإطار الذي رسمه يشكل "انقلاباً" سياسياً على ما يعتبره الحزب خروجاً على ما كان قائماً سابقاً، ومحاولة لتكريس فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني. إذ إن مضمون خطاب عون وعبارة الذهاب إلى أي مكان لحماية لبنان، فسرها اللبنانيون بأنها تتصل بالموافقة على المفاوضات، وربما على دعوة ترامب لعقد لقاء ثلاثي بينه وبين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هذا الأمر استنفر حزب الله إلى حدود بعيدة وقد صعد الحزب مواقفه السياسية، منتقداً عدم توجيه عون شكره لإيران على وقف الحرب، كما أن الحزب أكد بوضوح رفضه لمسار التفاوض.
أما ميدانياً، فإن الحزب استفاق على واقع جديد في الجنوب مع إعلان إسرائيل عن الخط الأصفر الذي ستسيطر فيه على 55 بلدة جنوبية، يمنع أهلها من العودة إليها مع استمرار عمليات تفخيخ المنازل وتفجيرها، أي أن الجنوب الذي أصبح خاضعاً للاحتلال يحتاج إلى المقاومة، وأن أي ضربة سيتعرض لها حزب الله سيرد عليها. إذ في اليوم الثاني للهدنة، واصلت إسرائيل خروقاتها من خلال عمليات تفخيخ وتفجير الكثير من الأحياء السكنية في جنوب لبنان، إضافة إلى مواصلة القصف المدفعي ورسم خط أصفر بعمق يبلغ حوالى 8 كلم يمنع على الناس تجاوزه، وهذا هو الخط الذي تريده إسرائيل أن يكون عازلاً وخاضعاً لسيطرتها الكاملة. كما تعمل القوات الإسرائيلية على استحداث نقاط ومراكز عسكرية في القرى والبلدات التي تحتلها ولا سيما في الخيام، وبنت جبيل.
في المقابل فإن حزب الله يعمل على إعادة تنشيط فعاليته العسكرية والأمنية في جنوب نهر الليطاني وتحديداً في البلدات التي لم يتمكن الإسرائيليون من الوصول إليها واحتلالها، كما أن بعض المعلومات تشير إلى أن الحزب يعمل على إعادة تعزيز وضعيته العسكرية في العديد من المناطق في جنوب النهر وشماله، خصوصاً أن الهدنة لا تزال هشة وهناك احتمالات كثيرة لسقوطها وتجدد المواجهات.
عملياً، وإلى جانب استمرار إسرائيل في عمليات الهدم والقضم ودمج الأراضي في جنوب لبنان بالأراضي التي تسيطر عليها في جنوب سوريا، فإن لبنان سيبقى مدار تجاذب دولي وإقليمي وداخلي. خصوصاً في ظل تمسك إيران بنفوذها على الساحة اللبنانية ومنح الدعم الكامل والمطلق لحزب الله، في مقابل سعي الولايات المتحدة الأميركية لفصل لبنان عن إيران، من خلال التشديد على مسألة التفاوض وتحضير جلسة المفاوضات، وفي السياق فإن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى يعود إلى بيروت لعقد لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين للبحث معهم في تشكيل وفد التفاوض وتحضير الجلسة التفاوضية، كما يمكن أن يناقش مع رئيس الجمهورية مسألة توجيه دعوة رسمية لرئيس الجمهورية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لزيارة البيت الأبيض.
في هذا السياق، فإن رئيس الجمهورية يتمسك بما أعلنه حول الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية وترسيم الحدود، وهذه ستكون في صلب أي مفاوضات مع المطالبة بضمانات خارجية بتطبيقها، كما تشهد الكواليس السياسية اتصالات بين مختلف القوى لوضع خريطة طريق واضحة للمطالب اللبنانية في المفاوضات، إضافة إلى تشكيل الوفد المفاوض. وفيما تبدو الولايات المتحدة الأميركية هي المعنية حصراً بمفاوضات لبنان وإسرائيل وهي التي ستعمل على فرض الواقع بوضع الحدود الجنوبية وكيفية ترتيبها وإدارتها لاحقاً أمنياً وعسكرياً، إضافة إلى معالجة ملف سلاح حزب الله والذي سيكون بحاجة إلى تفاهمات داخلية وخارجية، فإن لبنان يحتاج إلى رعاية إقليمية وعربية بالتحديد لمتابعة تطبيق أي اتفاق وفي مسألة إعادة الإعمار والمساعدات إلى جانب انتاج تسوية سياسية في الداخل تحميه من أي انفجار، وهنا يأتي دور السعودية التي تتحدث عن فرض القواعد اللازمة لحماية الطائف وتطبيقه كاملاً.