المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أمل شموني
الجمعة 17 نيسان 2026 07:10:12
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب موعدًا لوقف إطلاق النار، والكلام عن دعوة مزمعة للبنان وإسرائيل إلى البيت الأبيض، في منشورات عبر منصة "Truth Social"، ليس مجرد رسائل وحسب، بل محاولة لتسريع وتيرة مسار السلام اللبناني - الإسرائيلي، الذي يتمحور حول نزع سلاح "حزب الله"، مع نقل هذا الملف في الوقت ذاته إلى عهدة نائب الرئيس جاي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كاين.
في كلامه، يسعى ترامب مرة جديدة لفرض واقع دبلوماسي في الشرق الأوسط بقوة الإرادة والتفاوض. فقد ذكر ترامب أنه أجرى "محادثات ممتازة" مع الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأعلن عن الاتفاق على وقف لإطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ في الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت الشرقي. ثم أضاف إلى ذلك نوعًا من "التوجيهات الإخراجية" التي تحوّل وقف إطلاق النار إلى مبادرة بحجم الرئاسة؛ إذ أشار إلى أنه سيدعو الزعيمين إلى البيت الأبيض لإجراء ما وصفها بأنها أول محادثات "ذات مغزى" بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983.
وتفيد مصادر دبلوماسية أميركية قريبة من البيت الأبيض بأن لبنان دخل دائرة خطة ترامب للسلام. فهذا المزيج من تحديد توقيت دقيق لوقف إطلاق النار، مقرونًا بوعد بفرصة لالتقاط صور تذكارية داخل "المكتب البيضوي"، يحقق هدفين في آن واحد: فهو يختزل عملية تفاوضية معقدة، كما يعيد صياغة مشكلة أمنية شائكة ليقدمها في صورة "انفراجة ثنائية تاريخية" (historic bilateral thaw). ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعة بين إعلان ترامب وبين الحقائق السياسية القائمة على أرض الواقع في كل من بيروت والقدس. فلقاء الثلثاء بين سفراء البلدين والذي ترأسه روبيو جرى تأطيره باعتباره مجرد "بداية لعملية" دبلوماسية. وقد وصفه روبيو نفسه بأنه "process وليس حدثًا"، وهو بحسب المصادر يتباين مع شعار "تحقيق اختراق فوري" والذي يميل ترامب إلى الحديث عنه.
وتؤكد هذه المصادر أن لهذا التباين أهمية جوهرية؛ لأن الملف اللبناني - الإسرائيلي لا يتمحور في المقام الأول حول مجرد اتفاق بين دولتين على وقف إطلاق النار، بل يدور في جوهره حول نزع سلاح "حزب الله" وقدرة الدولة اللبنانية بالفعل، وبشكل موثوق، على فرض احتكارها للسلاح. من هنا يشير مسؤول عسكري أميركي سابق إلى أن الهدف الاستراتيجي لا يزال نفسه وهو "عزل حزب الله"، وترجمة الضغوط الميدانية والعسكرية إلى نتائج سياسية ملموسة. في هذا السياق، لا يُعدّ وقف إطلاق النار غاية نهائية بقدر ما هو جسر نحو اتفاقٍ أوسع تسعى فيه إسرائيل إلى فرض قيودٍ دائمةٍ على "الحزب"، بينما يسعى لبنان إلى إنهاء الضربات والانسحابات وضمان السيادة. لذا، يرجّح المسؤول العسكري أن يستمر الوضع على ما كان ساريًا عليه منذ اتفاق 24 تشرين الثاني 2024، مع تراجع للضربات الإسرائيلية لا سيما في بيروت.
ويرى مسؤول سابق في الخارجية الأميركية أن وضع ترامب الملف اللبناني بعهدة فانس وروبيو وكاين يعتبر بمصطلحات واشنطن، اختراقًا مفصليًا غير مسبوق. إذ لم يعد البيت الأبيض يتعامل مع الملف اللبناني كملفٍ روتيني، بل كحملة سياسية دبلوماسية عسكرية متشابكة، حيث يُضيف نائب الرئيس سلطة سياسية رفيعة المستوى، ويتولى وزير الخارجية إدارة المفاوضات، ويُشكّل رئيس هيئة الأركان المشتركة البنية الأمنية الضرورية لتحقيق الأهداف غير الدبلوماسية.
دبلوماسية ترامب الرئاسية ترفع مستوى المخاطر رغم أنها تتجاوز البيروقراطية. وهي بحسب خبير أميركي في شؤون الشرق الأوسط ستعني للبنان إمكانية المساعدات الاقتصادية، ودعم الجيش اللبناني. أما بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة فلا يمكنهم تجاهل عدم التكافؤ الجوهري: فبإمكان إسرائيل مواصلة الضربات؛ ولا يستطيع لبنان إجبار "حزب الله" على نزع سلاحه عند الطلب من دون المخاطرة بانهيار داخلي.
من هنا يشير المسؤول العسكري السابق إلى أن وجود كاين، يُعد أوضح دليل على أن الإدارة تتوقع أن يكون حوار "السلام الدائم" في جوهره مشكلة هندسية أمنية: من ينشر قواته وأين، ومن يتحقق من ذلك، وماذا يحدث عند وقوع انتهاكات؟ غير أن تفعيل ذلك على أرض الواقع يتطلب تعزيز قدرات الجيش، وزيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية من خلال وجود آليات سيناط بتحضيرها للقيادة المركزية. وشدد المصدر الأميركي على أن وجود مثل هذه الآليات يمنح إسرائيل الثقة بأن "الحزب" لن يعود ببساطة إلى إعادة تنظيم صفوفه والتسلح مجددًا بمجرد أن تتلاشى الأضواء الإعلامية.
وفي الوقت الراهن، فإن أوضح استنتاج يمكن الخروج به هو أن ترامب قد وسّع نطاق الملف، ناقلًا إياه من مجرد "وقف إطلاق النار" إلى "إطلاق عملية سياسية" شاملة: لبنان داخل خطته للسلام؛ فهل تبدأ الإدارة الأميركية بإعادة هيكلة النظام الأمني في لبنان تمهيدًا لدفع وإحلال السلام. قد يكون هذا هو بالتحديد ما تنشده واشنطن وتل أبيب؛ غير أنه أيضًا هو النتيجة ذاتها التي سعت إليها الدولة اللبنانية ولو بالنوايا إلى الآن.