واقعة دير ميماس: ليست "سابقة" بوجود الحزب..."بروفا" لــ "مواجهة كانت واردة" بين جيشين نظاميين!

كان مهما جدا ان تتناول الأقلام ما جرى في دير ميماس بما سماه البعض المواجهة الأولى بين الجيش اللبناني ووحدة من جيش الاحتلال الإسرائيلي بطريقة أكثر "مهنية" على الأقل. ولا سيما ان بعض وسائل الاعلام اعتمدت الرواية الاسرائيلية بدلا من العودة الى الرواية التي قدمتها قيادة الجيش اللبناني بأدق تفاصيل ما حدث. ذلك أنها كانت واقعية ولا يمكن ان تشوبها أي شائبة، ولا سيما أنها أكدت على ان أي خطوة للجيش في أي منطقة يمكن ان تكون على تماس واقعي او محتمل مع الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن الاقدام عليها قبل التنسيق المسبق مع "مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان" المعروفة بـ "MCG4L" تطبيقا للتفاهمات التي تم التوصل إليها على "مسار واشنطن" بأطرافه الثلاثة الولايات المتحدة الاميركية، لبنان وإسرائيل.

وتعليقا على كل ما قيل حول "حادثة دير ميماس" قالت مصادر عسكرية مطلعة لـ "المركزية" ان ما جرى كان امرا طبيعيا للغاية، ولم يخرج عن المألوف في مثل الوضع الذي نشأ عن الحادث الذي تسببت به قوة اسرائيلية رغبت بالدخول الى أطراف البلدة من موقعها المحتل في "تل نحاس" المواجهة لمواقع الجيش على تخوم البلدة وعلى الطريق المؤدية اليها من "برج الملوك" التي ينتشر فيها منذ فترة سبقت العمليات العسكرية الاسرائيلية في مواجهة مسلحي "حزب الله" في المنطقة القريبة منها قبل انسحابهم من المنطقة.

ولفتت هذه المصادر، الى ان بيان قيادة الجيش كان واضحا عندما لفت الى ان الموقع الذي استحدثته قوة شالجيش على مدخل بلدة دير ميماس في العاشر من ذأيلول الجاري لم يكن بقرار منفرد انما كانت خطوة "منسقة سلفا" مع "مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان" تلبية لـ "طلب الأهالي بتوفير الامن لهم أثناء تفقُّدهم الأراضي الزراعية"، وليس بهدف القيام بأي "عمل عسكري". ولكن المفاجأة ان جيش الاحتلال طلب بعد ثمانية أيام الدخول الى البلدة بحجة أنها خطوة "غير منسقة" في منطقة تقع من ضمن "المنطقة الأمنية" المحتلة، وهو امر رفضته قيادة الجيش وطلبت الى مجموعة التنسيق التدخل لمنع القوة من التوغل في المنطقة بعد ان عزز الجيش موقعه بقوة إضافية ردا على التهديد الاسرائيلي العلني متنكرا للموافقة المسبقة التي نالها الجيش منها.

ولفتت المصادر المطلعة عينها الى ان الجيش لم يخلي الموقع، لكنه أعاد انتشاره في المنطقة ولم يبتعد عن موقعه المشار اليه اكثر من 100 متر تقريبا في اتجاه مواقع أخرى له في برج الملوك، منعا لأي احتكاك محتمل مع قوة الاحتلال التي أطلقت ستة قنابل صوتية على المنطقة المحيطة بنقطة الجيش الأمر الذي تسبب بحال من الاستنفار المتبادل بين القوتين الى ان انتجت الاتصالات عبر المجموعة تفاهما أدى الى انسحاب القوة الاسرائيلية الى موقعه الأساسي في منطقة "تل نحاس".
وقالت المصادر العسكرية المعنية ان كل ما جرى لم يعترف به الجيش الإسرائيلي، فحديثه عن منع قوة الجيش من العودة الى موقعها لا صحة له بدليل انها أعادت تمركزها في المنطقة عينها بعد فك الاستنفار ومن دون ان تقع أي مواجهة عسكرية كان يمكن ان تحصل لولا الموقف المتشدد للجنة التنسيق التي اكدت على التفاهم المسبق على خطوة الجيش.
إزاء هذه القراءة العسكرية، قالت مصادر سياسية لـ "المركزية" ان وفي مقابل هذه القراءة العسكرية لحادثة عبرت هناك قراءة لها أبعادها السياسية والديبلوماسية التي تعطي وجها آخر للمواجهة العسكرية التي لم تحصل بين "جيشين شرعيين" ذلك ان مثل هذه المواجهة لم ولن تحصل، فلا الجيش الاسرائيلي "المحتل" قادر على خوضها في ظل الرعاية الأميركية التي ارتقت الى "الشراكة الكاملة" في شكلها ومضمونها وتوقيتها، وذلك لمجموعة من الأسباب وهذه عينة منها:

- المواجهة بين "جيشين شرعيين" سلاحهما "أميركي الصنع" يضع حدا لكل أشكال المواجهة ولا سيما العسكرية منها. ولعل أن في مثل هذه المعادلة شرطا اميركيا تفرضه الإدارة الأميركية في عقود البيع ولها من يراقب هذه الآلية والحؤول دون الخروج عنها.

- لم تر القيادة العسكرية الإسرائيلية، أنه يمكنها القيام بأي عملية عسكرية ضد الجيش اللبناني الشرعي، ذلك انه لم يعلن الحرب على اسرائيل يوما، وتحديدا منذ التوقيع على اتفاقية الهدنة عام 1949 بعد عام واحد على إعلان قيام الدولة اليهودية عام 1948 بعد تقسيم الجغرافيا الفلسطينية الى دولتين. وكانت ثانيها عربية، وكانت الأولى بمساحة 17 ألف كيلومتر مربع والثانية بـ 11 الفا.

- بات ثابتا ان اسرائيل ترغب بشن الحروب بأي شكل من الأشكال ضد مجموعات تحمل صفات إرهابية دولية، وان دفع جيش نظامي في الدولة التي تسمح لها بالمشاركة في أي حرب الثمن يكون أمرا هامشيا. وان التجارب اللبنانية متعددة والتذكير بها ليس صعبا،  إذ يكفي التذكير باستفادة إسرائيل من العمليات التي قامت بها فصائل فلسطينية قيل انها "متفلتة" من أي ضوابط داخلية وتدار من الخارج، وكان يقال بأنها من "الطابور الخامس" إلى ان لعب "حزب الله" دورها لاحقا، وقاد لبنان واللبنانيين عموما والشيعة خصوصا الى ما قاد إليه من مسلسل الحروب الاخيرة.

على هذه الخلفيات، يمكن قراءة "واقعة دير مياس" بعينين ، الأولى منهما عسكرية والثانية ديبلوماسية وسياسية. لتكون الخلاصة، بأنها، وإن لم تكن سابقة في ظل ما قام به "حزب الله"، فقد تكون "بروفا" للمواجهات التي كانت واردة لو كانت الحرب في الجنوب تدور بين جيشين نظاميين وشرعيين، ولم تكن البلاد قد اقتيدت بقرار منفرد من "حزب الله" ومن ورائه إيران بقيادة "الحرس الثوري الإيراني" تحديدا بعدما اعتبر فرقة من فرقه التي تم تأسيسها في الخارج.