وجوب انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية.. لوضع حد نهائي لثقافة الافلات من العقاب 

ليس للمحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على سوريا لأن الاخيرة ليست دولة طرف في نظام روما الأساسي. ومع ذلك، قد تفتح المحكمة تحقيقًا إذا أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولي. يذكر ان لبنان ايضا لم يوقع على الاتفاق بسبب رفض "حزب الله" الأمر خوفاً من اخضاع مسؤوليه للمحاكمة خصوصا بعد تورطهم في الحرب السورية. وكانت حكومة تصريف الاعمال برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، بعد قبولها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق والملاحقة القضائية "في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الاول 2023 "، عادت وتراجعت عن قرارها.

يؤكد اميل عون (محام جنائي دولي وأستاذ جامعي) على وجوب انضمام لبنان الى نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية لوضع حد نهائي لثقافة الافلات من العقاب خصوصاً أن الساحة اللبنانية منذ أواخر الستينيات عرضة لشتى أنواع الحروب الاقليمية والداخلية ولارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية.

يقول عون أن لبنان حضر أعمال مؤتمر روما سنة 1998، لكنه رفض التوقيع دون توضيح أهداف وأسباب هذا الموقف علانية"، ولكن أوضحت شخصية برلمانية مرموقة لعون فحوى المناقشات التي جرت في المجلس النيابي اللبناني آنذاك، والتي أدت الى استبعاد الفكرة رفض التوقيع ومن ثم المصادقة، وهي متصلة جوهرياً بأعمال المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني، وبالتالي من باب أخذ الحذر من احتمال ملاحقات جنائية مستقبلية من السلطات المختصة في المحكمة الجنائية الدولية ضد المقاتلين في الجانب اللبناني.

حالياً، 125 دولة تشكل الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. من بينهم 33 دولة أفريقية، و19 دولة من دول آسيا والمحيط الهادئ، و20 من أوروبا الشرقية، و28 من دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، و25 من دول أوروبا الغربية ودول أخرى. آخر المنضمين فلسطين (2015)، أرمينيا (2023) وأوكرانيا (2024)، مع العلم أن الدول الكبرى كالولايات المتحدة الاميركية وروسيا والصين والهند ليست أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية.

الى سوريا، وصل وفدٌ من مكتب المدعي العام كريم خان في المحكمة الجنائية الدولية والتقى الرئيس أحمد الشرع، بناء على دعوة من هذا الاخير، ولم يعرف تحديداً الأسباب المباشرة للزيارة، أي ما اذا كانت سوريا تريد الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية كدولة عضو أو تريد فقط اخضاع حالة ما حصلت ضمن اراضيها لصلاحية المحكمة الجنائية الدولية سندا" للمادة 12 فقرة 3 من نظام روما الاساسي التي تسمح لدولة غير عضو أن تُخضع حالة ما حصلت ضمن اراضيها لصلاحية المحكمة الجنائية الدولية كما حدث سابقاً مثلاً مع ساحل العاج في 2003. أو تريد فقط الاستعانة بخبرات مكتب المدعي العام الغنية والمتشعبة على كل المستويات، خصوصاً التحقيقية والتقنية منها، دون اخضاع سوريا لصلاحية المحكمة الجنائية المذكورة. وكما هو معلوم سوريا لم تصادق على نظام روما الاساسي وهي ليست دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية التي تحتاج إلى الصلاحية للنظر في حالة معينة، وبالتالي فإن المحكمة الجنائية الدولية في المبدأ ليست صالحة بالنظر في الجرائم المرتكبة في سوريا منذ اندلاع الحرب في 2011.

أما بالنسبة للبنان، كيف يتم الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية بحسب الدستور اللبناني في حال طرح هذا الموضوع؟

بداية، يمثل رئيس الجمهورية لبنان، تجاه جميع الدول الأجنبية، بوصفه رئيساً للدولة. من هنا وبموجب نص المادة 52 من الدستور، تكون العلاقات الخارجية من اختصاص رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء. في ما يخص مسألة إنشاء العلاقات الخارجية، تعود الصلاحية الى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من حيث المفاوضة والتوقيع، والى مجلس الوزراء من حيث الإبرام.

أما على مستوى المجلس النيابي، فقد ميّزت المادة 52 من الدستور بين المعاهدات التي لا تعد مبرمة الا بعد موافقة مجلس النواب، وبين المعاهدات التي أعطت الحكومة صلاحية الاستنساب في اطلاع المجلس النيابي عليها "حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة".