ورش عمل سعوديّة في لبنان… اقتصاديّاً ومعيشيّاً

يجري التحضير، وفق معلومات “أساس”، لورش عمل سعوديّة تتناول الشأنين الاقتصاديّ والمعيشيّ في لبنان، وسط ترقّب زيارة سعوديّة قريبة لبيروت. يتحرّك هذا المسار فيما يعود رئيس الحكومة نوّاف سلام من واشنطن بملفَّين مفتوحين: وقف الاعتداءات الإسرائيليّة والانسحاب من الجنوب، وإصلاح قطاع ماليّ لا يستطيع لبنان من دونه تمويل تعافيه. ما يُبحث على الطاولات يتّصل إذاً بسؤال واحد يواجه الدولة والناس: كيف تُحمى الأرض وتُستعاد القدرة على العيش فيها؟ كيف تُترجم المساعي الدبلوماسيّة بخطوات فعليّة على الأرض؟

في معلومات “أساس” أيضاً أنّ الأمير يزيد بن فرحان، المبعوث السعوديّ إلى لبنان الذي اجتمع مع سلام في نيويورك، يواصل جهده لإبقاء لبنان في اهتمام الرياض ومواكبة حركة الحكومة. لم تتحدّد بعد مشاريع الورش أو مواعيد تنفيذها. لكنّ اختيار الاقتصاد والمعيشة عنواناً للتحرّك يضعه أمام اختبار يتجاوز إبداء الدعم السياسيّ لينتج خطوات يصل أثرها إلى الناس. وكان لقاء سلام ووزير الخارجيّة السعوديّ فيصل بن فرحان في نيويورك قد تضمّن اتّفاقاً معلناً على بدء العمل لتفعيل اللجنة المشتركة بين البلدين، وهي قناة للمتابعة، من دون إعلان تمويل أو مشاريع محدّدة.

في واشنطن: الأرض والمال

لم تكن محطّة سلام الأميركيّة محصورة بلقاء وزير الخارجيّة ماركو روبيو. في اليوم نفسه، جلس رئيس الحكومة ووزير الماليّة ياسين جابر مع وزير الخزانة سكوت بيسينت. انتقل البحث بذلك من المطالبة بوقف الاعتداءات والانسحاب إلى سؤال آخر لا يقلّ أثراً في مستقبل الدولة: كيف يستعيد لبنان الثقة بقطاعه المصرفيّ، فيما تطلب واشنطن منه أيضاً قطع الشبكات الماليّة الإيرانيّة وتلك المرتبطة بـ”الحزب”؟

ما أعلنه الجانب الأميركيّ عن لقاء بيسينت كان مقتضباً ودالّاً. دعا الوزير لبنان إلى خطوات استباقيّة لتعطيل تلك الشبكات، وإلى المضيّ في إصلاح القطاع الماليّ لاستعادة الثقة بالمصارف. لم يعلن تمويلاً أو اتّفاقاً اقتصاديّاً جديداً، ولم يحدّد قانون الفجوة الماليّة بنداً في اللقاء. لكنّ وضع المطلبين في بيان واحد يُظهر زاوية نظر الخزانة الأميركيّة: لا تنفصل إعادة الثقة بالنظام المصرفيّ عن مسألة وجهة الأموال وقدرة الدولة على مراقبتها.

في الجهة اللبنانيّة، تزداد أهمّيّة هذه المحطّة لأنّها تقع بين نقاشات سلام مع البنك الدوليّ وحركة ياسين جابر مع صندوق النقد. فالصندوق اعتبر التعديلات الأخيرة التي أُلحقت بقانون معالجة أوضاع المصارف خطوةً إلى الأمام، لكنّه لا يزال ينتظر استكمال العمل على قانون الاستقرار الماليّ واستعادة الودائع، بما يحمي المودعين ويحترم ترتيب تحمّل الخسائر. لذلك لا يصحّ أن تُقرأ لقاءات بيسينت بوصفها وعداً بمساعدة أميركيّة جاهزة. بل تضع الحكومة أمام امتحان تشريعيّ ورقابيّ يصعب تخطّيه بالشعارات، فيما يحتاج اللبنانيّون إلى معرفة كيف ستوزَّع الخسائر ومتى تصبح المصارف قادرة على خدمة الاقتصاد مجدّداً.

الاستحقاقات بين الجنوب والمصارف

أمام روبيو، طالب سلام بجدول زمنيّ وآليّة تحقّق لتفعيل الإطار الثلاثيّ، وترجمة مبدأَي “التبادليّة والمرحليّة” الواردَين في البيان الرسميّ إلى خطوات على الأرض، يتقدّم فيها الانسحاب الإسرائيليّ وبسط سلطة الدولة وحصريّة السلاح معاً. وتشرح مصادر متابعة للزيارة أنّ المطروح هو صيغة “خطوة مقابل خطوة” بحيث يدخل الجيش منطقةً ويعمل على سحب السلاح منها، مقابل انسحاب إسرائيل من منطقة أخرى يتسلّمها الجيش. لم يتمّ التوصّل بعد إلى اتّفاق على هذه الصيغة أو على ترتيب المناطق وآليّة التحقّق. في الجنوب، لا ينتظر اتّساع الوقائع العسكريّة إيقاع الاجتماعات، وكلّ تأخير يرفع كلفة عودة الأهالي وإصلاح ما دُمّر.

خاطب سلام في واشنطن أكثر من مركز قرار، ولكلّ منه مطالبه وأدواته. يريد من الخارجيّة ضغطاً يحوّل الإطار السياسيّ إلى وقائع على الأرض، ويواجه لدى الخزانة ملفَّي الإصلاح والرقابة على المال. الوصول إلى هاتين الغرفتين يوسّع مساحة الحركة اللبنانيّة. أمّا أثر الزيارة فيُقاس بما سيتغيّر لاحقاً على الأرض وفي قدرة المصارف على استعادة وظيفتها.

من الورش إلى فرصة العودة

في واشنطن أيضاً، بحث سلام مع رئيس مجموعة البنك الدوليّ أجاي بانغا ورئيس مؤسّسة التمويل الدوليّة مختار ديوب توسيع التعاون في قطاعات بينها الطاقة والمياه والبنى التحتيّة وشبكات الأمان الاجتماعيّ. أمام الشباب والمهنيّين اللبنانيّين هناك، وضع سلام معياراً أقرب إلى حياة الناس من بيانات الاجتماعات: أن تصبح العودة إلى لبنان “خياراً لا تضحية”. المعنى السياسيّ لهذه العبارة لا يتحقّق بدعوة المغتربين إلى العودة، بل بإتاحة أمنٍ وعملٍ ومؤسّسات مصرفيّة يمكن الوثوق بها.

يبدأ الخطر من الجنوب، لكنّ أثره لا يقف عند حدوده. فكلّ واقع عسكريّ جديد يضغط على قرار الدولة ومواردها، ويؤجّل التعافي في لبنان كلّه. وبين مطلب الانسحاب أمام روبيو، وامتحان المال أمام بيسينت، والوعد بورش سعوديّة ومشاريع دوليّة، بات أمام الحكومة أن تحمي فرصة العودة إلى الأرض.