المصدر: إرم نيوز
الأربعاء 2 أيلول 2026 13:35:34
كشفت مصادر غربية أن الحكومة الإسرائيلية أبلغت الإدارة الأمريكية رسمياً بسقوط مشروع "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان، معربة في الوقت عينه عن استيائها البالغ من أداء الجيش اللبناني.
وقالت المصادر في تصريح لـ"إرم ينوز" إن هذا التطور الدراماتيكي يحمل في طياته نعياً ضمنياً للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، ويمثل ضربة قاصمة لـ"اتفاق واشنطن" (صيغة الإطار) الذي وقع في 26 يونيو حزيران الماضي.
وأشارت المصادر إلى أنه في إطار مساعي الولايات المتحدة الدولية لمنع الانهيار الكامل للمسار السياسي بلبنان، فقد أبلغت واشنطن رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزف عون، نيتها دعوة الوفدين المفاوضين اللبناني والإسرائيلي إلى جولة مفاوضات جديدة في العاصمة الإيطالية روما، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، على الرغم من أنه لم يتم تحديد موعد رسمي لهذه الجولة حتى الآن.
كواليس الرسالة الإسرائيلية
ووفقاً لتقارير استخبارية مسربة، فإن المذكرة التي أرسلتها إسرائيل إلى الجانب الأمريكي تضمنت جردة حساب قاسية حول الآلية الميدانية التي انطلقت أواخر يوليو تموز الماضي في بلدة "زوطر الغربية" وجوارها كأول نموذج للمناطق التجريبية.
وتفيد المعلومات بأن الجانب الإسرائيلي قدم تقارير مدعومة بمسوحات جوية للوسيط الأمريكي، يدعي فيها أن وحدات الجيش اللبناني المنتشرة في النقاط التجريبية لم تقم بتفكيك أو تدمير البنى التحتية العسكرية العائدة لحزب الله.
وتزعم التقارير الإسرائيلية أن قيادة الجيش اللبناني في الجنوب تتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع عناصر الحزب، وتكتفي بعمليات تمشيط شكلية عند مداخل بعض المنشآت تحت الأرض دون التوغل داخلها أو تدميرها.
وبررت تل أبيب لواشنطن رفضها القاطع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الانسحاب أو توسيع نطاق "المناطق التجريبية" ليشمل بلدات جديدة (مثل الخيام أو بنت جبيل) التي طرحها الجانب اللبناني في الجولة السابعة بروما، بذريعة أن الجيش اللبناني يطالب باستلام إحداثيات لمواقع جديدة دون معالجة المواقع الحالية التي سُلمت له بالفعل.
وبناءً على ذلك، ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن "صيغة الإطار" الحالية باتت غير مجدية أمنياً، مما يعكس رغبة تل أبيب في التملص من استحقاقات الانسحاب التدريجي والاحتفاظ بالمنطقة الأمنية التي توغلت فيها.
آلية "التحقق" تفجر الخلافات
من جانبها أكدت مصادر لبنانية أن الإدارة الأمريكية تواجه معضلة مستعصية تتعلق بـ"آلية التحقق من التنفيذ" على الأرض.
وطبقاً للمصادر التي تحدثت لـ"إرم نيوز"، فإن إسرائيل ترفض بشكل قاطع مقترحاً مدعوماً من بيروت لنشر قوة عسكرية إيطالية أو دولية مستقلة تتولى مراقبة وتأكيد خلو المناطق التجريبية من السلاح.
وبحسب المصادر، فإن تل أبيب تعتبر أن هذا المقترح يمثل "مناورة لبنانية" لإعفاء الجيش من مسؤولياته والالتفاف على بند حصر السلاح بيد الدولة.
وتخشى الحكومة الإسرائيلية أن يؤدي وجود قوات أوروبية مباشرة إلى تقييد حرية حركة الطيران والعمليات الهجومية لجيشها في الأجواء والأراضي اللبنانية.
وكشفت المصادر أن واشنطن تحاول صياغة "ملحق تنفيذي جديد" يتضمن إنشاء غرفة عمليات مشتركة غير مباشرة (تضم ضباطاً أمريكيين وفرنسيين إلى جانب الطرفين) للإشراف على عمل الجيش اللبناني، وهو ما ترفضه بيروت بوضوح كونه يمس بالسيادة الوطنية ويضع القوات المسلحة اللبنانية تحت وصاية أمنية مباشرة.
تفخيخ الاستقرار
في قراءة تحليلية للمشهد الحالي، يؤكد الخبير السياسي لطيف أبو السبع، أن التطورات الأخيرة تنقل الصراع اللبناني الإسرائيلي من مرحلة البحث عن حلول إلى مرحلة "إدارة الأزمة تحت النار".
ويرى أبو السبع، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الإعلان الإسرائيلي عن سقوط مشروع المناطق التجريبية هو "ذريعة مسبقة ومخطط لها للتهرب من استحقاق الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها إسرائيل في التوغل الأخير".
وذكر أن إسرائيل تعتمد استراتيجية الشروط المتحركة؛ فكلما نفذت الدولة اللبنانية خطوة أمنية أو لوجستية، يرفع الجانب الإسرائيلي سقف المطالب ليصل إلى حد مطالبة الجيش اللبناني بشن حرب أهلية بالنيابة عنها ونزع سلاح حزب الله بالقوة، وهو أمر تدرك تل أبيب وواشنطن خطورته واستحالته على التوازنات اللبنانية الداخلية.
وأشار إلى أن "اتفاق واشنطن وُلد ميتاً لأنه صيغ بضغوط أمريكية ولم يلحظ توازنات القوة الفعلية على الأرض".
واعتبر أن المقاربة الأمريكية تهدف بالدرجة الأولى إلى منح رئيس الجمهورية جوزاف عون غطاءً دبلوماسياً دولياً لتعزيز شرعية مؤسسات الدولة وحصر السلاح، لكن دون تقديم مقابل حقيقي يمكن للحكومة اللبنانية تسويقه داخلياً، مثل فرض انسحاب إسرائيلي فوري وشامل أو وقف الخروقات الجوية والتجريف الميداني المستمر في القرى الحدودية.
وخلص إلى أن دعوة واشنطن المنتظرة لجولة جديدة في روما لا تعكس انفراجاً سياسياً، بقدر ما هي "حقنة إنعاش" لمنع الانهيار الكامل للإطار التفاوضي.
وأوضح أن الولايات المتحدة ترغب في الحفاظ على الطاولة قائمة لتجنب التدحرج نحو مواجهة إقليمية أوسع، في حين تستغل إسرائيل هذه اللقاءات كـ"مظلة سياسية" تمنحها الوقت لمواصلة عملياتها الهجومية والهندسية لتثبيت واقع أمني جديد على طول الشريط الحدودي.
سيناريوهات مفتوحة
في ظل هذا الوضع، يجد لبنان نفسه اليوم أمام استحقاق مصيري؛ فالتعويل على "الدبلوماسية الهادئة" في روما يصطدم بوقائع ميدانية شديدة التعقيد والتفجير.
وإذ يصر الرئيس جوزاف عون من منصاته الدولية على أن الهدف النهائي هو "إنهاء حالة العداء وتطبيق التزامات صيغة الإطار"، فإن النوايا الإسرائيلية المعلنة لواشنطن تسحب البساط من تحت أقدام المفاوض اللبناني.
ويبقى السؤال المفتوح برسم الأيام المقبلة: هل تنجح الدبلوماسية الأمريكية في فرض موعد قريب لجولة روما وإلزام حكومة بنيامين نتنياهو بالتراجع عن قرار إسقاط "المناطق التجريبية"؟ أم أن إعلان تل أبيب يمثل الضوء الأخضر الضمني للعودة إلى لغة المدفعية والطائرات، لتبدأ معها مرحلة تفجيرية جديدة تطيح بكل ما أُنجز على طاولات التفاوض في واشنطن وروما؟