المصدر: المدن
الكاتب: طارق الحجيري
الجمعة 2 كانون الثاني 2026 12:56:10
لم يعد الحديث في الهرمل محصورًا بلاجئين سوريين يبحثون عن مأوى، بل بتقارير متداولة عن تواجد وتحرّك شخصيات سياسية وأمنية من النظام السوري السابق داخل تجمّع سكني مغلق، أُنشئ بإشراف مباشر من حزب الله. فمجمّع الإمام علي، الذي قُدِّم بوصفه استجابة إنسانية، تحوّل إلى لغم سياسي وأمني مفتوح على احتمالات كثيرة.
هذا التطور يأتي في سياق استثنائي، أعقب سقوط النظام السوري وفرار بشار الأسد إلى روسيا، وما رافقه من توافد كثيف للاجئين من مناطق الساحل السوري وحمص نحو لبنان. وتشير تقديرات محلية إلى دخول ما يقارب 150 ألف سوري إلى مناطق الهرمل وجبل محسن خلال الأشهر الأخيرة، غالبيتهم من الطائفة العلوية، في موجة لجوء مختلفة في تركيبتها وحساسيتها عن سابقاتها، وتفترض مقاربة مختلفة.
أسماء ثقيلة في الظل
ما يضاعف الهواجس، وفق متابعين، أنّ الحديث لا يقتصر على لاجئين عاديين، بل توسّع ليشمل أسماء شخصيات بارزة من الدائرة السياسية والأمنية المحيطة بالنظام السوري السابق. وتشير مصادر سورية خاصة لـ"المدن" إلى "احتمال كبير لتواجد أو تحرّك شخصيات من النظام البائد أو من محيطه" في لبنان، من بينهم وزير الدفاع السابق خالد أيوب، ومعضاد حسيني، والعميد علي ضاهر، والعميد عبد السلام محمود، وآصف أنيس، إضافة إلى مضر شوكت، نجل بشرى الأسد، وأفراد من عائلة علي مملوك، الرئيس السابق لمكتب الأمن القومي السوري.
ورغم غياب أي تأكيد رسمي لبناني لهذه المعطيات، فإن مجرّد تداول هذه الأسماء يفتح بابًا واسعًا للأسئلة حول الجهات التي توفّر الغطاء، وطبيعة الأماكن التي يُسمح لها بالتحوّل إلى ملاذات آمنة خارج أعين الدولة.
سهيل الحسن.. أين؟
وتعزّزت هذه الشكوك مع الجدل الذي أُثير أخيرًا حول مصير العميد سهيل الحسن. فبينما نفت الجهات الرسمية اللبنانية وجوده على الأراضي اللبنانية، أكدت مصادر أميركية ودولية ذلك، ما أعاد تسليط الضوء على إدارة ملفات أمنية شديدة الحساسية.
مجمّع خارج الدولة
افتتاح مجمّع الإمام علي السكني في الهرمل لم يمرّ بهدوء. فالمشروع أُنجز من دون إعلان رسمي واضح، ومن دون إشراف الدولة أو المنظمات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين، ما أعاد فتح نقاش واسع حول طبيعة هذا اللجوء وحدوده، ووظيفته الفعلية، لا سيما في منطقة ذات خصوصية أمنية وسياسية دقيقة.
وتزداد حساسية الأمر إذا ما أُخذت خلفية الهرمل بعين الاعتبار، كمنطقة حدودية لطالما شكّلت مساحة تداخل بين الأمني والسياسي، وشهدت على مدى سنوات نشاطًاً مباشرًا للفرقة الرابعة السورية وحزب الله، خارج رقابة المؤسسات الرسمية اللبنانية. هذا الواقع دفع عددًا من النواب إلى توجيه أسئلة مباشرة إلى الحكومة حول المشروع، من دون أن تلقى إجابات شافية حتى الآن.
قلق محلي مشروع
في هذا السياق، عبّر رئيس حركة "قرار بعلبك الهرمل" المهندس علي صبري حمادة، في حديث إلى "المدن"، عن مخاوفه من المشروع، معتبرًا أنّ مقاربته إنسانيًا فقط "تُغفل مخاطره الحقيقية". وقال إنّ المجمّع "قد يتحوّل مع الوقت إلى عبء أمني وديموغرافي إذا استمر خارج إشراف الدولة".
وأشار حمادة إلى أنّ "المجمّع أُنجز منذ أشهر، وهو محاط بسياج إسمنتي أمني، ومن دون أي دور فعلي للدولة أو للجهات الدولية، رغم أنّ الأرض المقام عليها تعود لبلدية الهرمل"، معتبرًا أنّ هذا الواقع "يطرح علامات استفهام جدّية حول شرعيته ووظيفته".
ما بعد الإنساني
في المحصلة، لا يبدو الجدل حول مجمّع الإمام علي في الهرمل محصورًا بمشروع إسكان أو مبادرة تضامنية، بل يرتبط بسؤال أعمق حول دور الدولة وحدود نفوذ قوى الأمر الواقع، وكيفية إدارة ملف اللجوء في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
فالخطر، وفق مقاربات محلية، لا يكمن فقط في وجود لاجئين، بل في تحويل مناطق لبنانية مهمّشة إلى مساحات رمادية خارج الدولة، تُدار بمنطق أمني وسياسي غير معلن، وتُترك تداعياتها للزمن.
ويبقى السؤال مفتوحًا، هل تبادر الدولة اللبنانية إلى الإمساك بهذا الملف ضمن رؤية واضحة وشفافة، أم يستمر التعامل معه كأمر واقع، إلى أن تنفجر تداعياته في لحظة غير محسوبة؟