المصدر: نداء الوطن
الكاتب: صالح المشنوق
الثلاثاء 31 آذار 2026 08:20:08
إيران بنظامها الحالي دولة معادية للبنان.
هذه هي الخلاصة الواقعية والموضوعية والعلمية لأحداث السنة الأخيرة، والتي أضيفت إلى عقود من السلوكيات المعادية للكيان اللبناني وأمنه الاستراتيجي. آخر هذه السلوكيات رفض السفير الإيراني محمد رضا شيباني قرار الدولة اللبنانية جعله شخصية غير مرغوب فيها (persona non grata) وإبلاغه ضرورة مغادرة الأراضي اللبنانية. إن هذا الحق تكفله معاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961، والتي حدّدت في المادة التاسعة منها أن الدولة المضيفة يمكنها طرد أي سفير لدولة أجنبية من أراضيها من دون حتى الحاجة إلى تبرير خطوتها. إن رفض السفير الإيراني الامتثال لقرار الدولة اللبنانية يعتبر شبه سابقة في العلاقات الدولية بين الأمم، إذ إن معظم الحالات التي طلب فيها من سفير مغادرة بلد مضيف، كانت مغادرته إمّا بملء إرادته أو خضوعًا للضغوطات (في حالة الدبلوماسيين الليبيين في بريطانيا حاصرت الشرطة السفارة وفرضت خروج الدبلوماسيين من لندن). لسخرية القدر، إن أحد الأمثلة التاريخية القليلة التي تدرّس عن تمرّد دبلوماسي على الدولة هو رفض القائم بالأعمال الإيراني محمد نوراني الامتثال لقرار حكومة الرئيس شفيق الوزان عام 1983 بقطع العلاقات مع إيران وإغلاق السفارة. إن إعادة تكرار هذه التجربة في زمن "الدولة" يعدّ انتحارًا استراتيجيًا لمصداقية الدولة اللبنانية، خصوصًا بعد ما تبيّن أنه فشل ذريع في "تنظيف" جنوب الليطاني من سلاح "حزب اللّه" في العام المنصرم. لذا، على السفير أن يرحل ولو بقوّة "الحصار"، وهي أداة استعملت سابقًا في العديد من الدول.
لا مجال هنا لتعداد التعدّيات الإيرانية على الأمن القومي اللبناني والسيادة اللبنانية منذ قدوم الحرس الثوري إلى البقاع اللبناني في أوائل الثمانينات. إنما يكفي أن ننظر إلى ما حصل في العام الأخير، مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة طابعها سياديّ برئاسة القاضي نواف سلام. قامت إيران – منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار - بإرسال ما يزيد عن مئة ضابط من الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان لإعادة تسليح وتدريب وهيكلة منظمة "حزب اللّه"، رغم قرار الدولة اللبنانية "حصر" السلاح على كافة أراضيها. كما استمرّت بإرسال ما يزيد عن سبعمئة مليون دولار سنويًا إلى "حزب اللّه"، معظمها لأغراض عسكرية وأمنية. إضافة إلى ذلك، قام المسؤولون الإيرانيون بإطلاق عشرات التصاريح الإعلامية - السياسية التي بحدّ ذاتها كفيلة بسحب السفراء، إذ إنها شكّلت إهانة استثنائية لهيبة واستقلالية الدولة اللبنانية بمؤسّساتها الشرعية. أحد هذه التصاريح كان وصف السفير الإيراني مجتبى أماني قرار الدولة نزع السلاح بـ "المؤامرة"، وهو السفير نفسه الذي أصيب من جرّاء هجوم "البايجر" في العام 2024، مثبتًا أنه ليس إلّا قياديًا أمنيًا في الحرس الثوري الإيراني. في 8 آذار 2026 (اليوم المشؤوم نسبة إلى العام 2025) صرّح قائد الحرس الثوري أن "حزب اللّه" دخل الحرب "دفاعًا عن إيران". قامت إسرائيل باغتيال أربعة أعضاء من الحرس الثوري الإيراني في فندق الروشة في بيروت، وقد نعت إيران الأربعة بصفتهم دبلوماسيين عارضة صورهم بالزيّ العسكري (!). أمّا في 12 آذار 2026 أعلن الحرس الثوري قيامه بـ "عملية مشتركة" مع "حزب اللّه" من الأراضي اللبنانية، وبذلك اعتراف صريح بأنه بات يعمل "على المكشوف" من لبنان وليس عبر وكلائه المحليين. وختامها كان مسكًا: أطلقت إيران صاروخًا انتقاميًّا موجّهًا إلى الأراضي اللبنانية اعترضته الولايات المتحدة بصاروخ موجّه من البحر. إن كانت كلّ هذه الأعمال لا تشكّل مادة كافية لإعلان إيران دولة معادية، فما هو إذًا المطلوب لإعلان كهذا؟ فإيران بالأصل، وقبل كلّ ما ورد أعلاه، تعدّ دولة محتلّة لأجزاء من الأراضي اللبنانية، بحكم تحكّمها العملاني الكامل بالوكيل المسلّح الممسك بالأرض (proxy occupation)، وهو مبدأ مهّدت له معاهدة فيينا وأكدّت عليه المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا. كلّ عناصر الإعلان متوفّرة، تنقصها الإرادة السياسية.
حسنًا فعلت الدولة اللبنانية بإعلانها السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه. ولكن التحدّي الأساسي في العلاقة مع التعدّي والاحتلال الإيرانيين للبنان هو في ما بعد هذه الخطوة. فخطورة قرار السفير لا تكمن في تمرّده على الدولة اللبنانية فحسب، بل في تصرّفه وكأن في لبنان حكومتين، واحدة غير شرعية (عون-سلام) وأخرى شرعية (الثنائي الشيعي). وهذا التصرّف له سوابق دولية، فالدبلوماسيون الأميركيون رفضوا مغادرة فنزويلا تحت شعار أن حكومة مادورو غير شرعية (اعترفت برئاسة زعيم المعارضة غوايدو ممثلًا شرعيًا للبلاد). لكن حتى في هذه الحالة (أكبر قوة في العالم والتي خطفت مادورو في ما بعد) اضطرّت الولايات المتحدة إلى سحب دبلوماسييها بعد أسابيع. لذا فإن بقاء السفير الإيراني في لبنان (وربما زيارته مسؤولين سياسيين أو دينيين) يشكّل خطرًا محدقًا على فكرة الدولة اللبنانية كمرجعية شرعية في البلاد وأمام المجتمع الدولي.
خريطة الطريق إذًا واضحة. إمهال الجمهورية الإسلامية أسبوعًا للتفكير قبل قطع العلاقات الدبلوماسية معها بالكامل وإغلاق السفارة. من بعدها، على الجيش اللبناني محاصرة السفارة (كما حصل في لندن) بشكل يجعل من بقاء أي شخص فيها لأكثر من أسابيع خيارًا غير قابل للحياة (لسنا في الثمانينات والميليشيات لا يمكنها منع هذا الخيار). بعد ذلك يتمّ إرسال رسالة إلى إيران بالمطالب اللبنانية كافة لإعادة العلاقات معها، وإن رفضت هذه المبادرة، تعلن الحكومة اللبنانية و/أو رئيس الجمهورية، الجمهورية الإسلامية في إيران دولة معادية للبنان. بطبيعة الحال، سيلقى هذا القرار ترحيب الأغلبية العظمى من اللبنانيين، إذ إنه وبحسب دراسة نشرتها صحيفة النهار في شهر 11 من العام 2025، تبيّن أن 80 % من اللبنانيين يعتبرون دور إيران في لبنان سلبيًا، منهم 50.70 % من اللبنانيين الشيعة.
هذا كلّه لا يعني أننا كلبنانيين لا نريد السلام مع العدو الإيراني (كما الإسرائيلي) ولكن ذلك يعتمد على احترام سيادة البلدين. لعلّه، ومع انتهاء هذه الحرب، يصبح هذا الاحترام الثنائي – الإيراني والإسرائيلي - تلقائيًا مع انتفاء الدور العسكري لـ "الحزب". أمّا إذا وفّق اللّه لبنان بالنتائج الإقليمية على نحو راديكالي، فإن السفارات تحصيل حاصل، وربما حتى زيارة طهران!